image of a coin dress

خيطُ مقاومة

سيلفيا نزال أنشأت علامتها التجارية للأزياء "نزال ستوديو" خلال سنوات دراستها الجامعية. واكتسبت العلامة المتجذرة في التراث والأخلاقيات والنشاطات الفلسطينية تقديرًا واسعًا، بفضل مجموعتها المميزة لعام 2022-2023 بعنوان "ما كان يجب أن يكون الوطن"، التي ترمز إلى المقاومة الفلسطينية، والتي حظيت باهتمام عالمي  بعد أحداث السابع من أكتوبر. وتسلّط الضوء على دور الفن في إسماع أصوات المهمشين، مع الالتزام بالممارسات الأخلاقية، وتعمل على تمكين المجتمع من خلال تعاونها مع النساء اللاجئات، متحديةً بذلك الأنماط التقليدية عبر ممارسة التصميم الواعي اجتماعيًا.

المشاركة مع صديق

هسهسة فضة تتردّد مع كل خطوة، تطرق السمع حتى قبل أن تُرى، رنينٌ عذب بصوت منسي يتصاعد شيئًا فشيئًا، ومع ذلك يبقى غير ظاهر للعيان حتى يتوهج بصيص من نور بعيد يخترق البصر كالطَعنَة. صدى قصيّ لتقليدٍ عتيق، وثقل لحظاتٍ قصيرة يضغط على الثوب، خيوط تتشبّث بالقطعة المنسوجة. قلنسوة تنسدل على الوجه، حارسٌ يحُفّه الحظ. غشاء لا يُخترق، تتهامس أطرافه مع أدنى حركة، لا تُرى كليًّا ولا تتوارى تمامًا—كأنّها شيء بين الماضي والحاضر.

يقف الجسد تحت ثقل التقاليد الساحق؛ اثنان وسبعون كيلوغرامًا من الفضة الباردة والصلبة تضغط عليه، وكل خطوة هي معركة مع أثر المعنى العميق. يصدح صوت العشرة آلاف عملة معدنية، وهي تَحتكُّ وتَصطكُّ كجوقة أصوات حديدية مضطربة تقاوم كلَّ حركة، تسحبه إلى الوراء وكأنَّ الماضي يأبى الرحيل. تكافح الذراعان تحت قوة جذب هذا اللباس، وترتجف العضلات فيما تحاول رفع ثقل ما يفترض أن يقيها. حمايةٌ وعبءٌ، وقايةٌ وقيدٌ؛ كلُّ قطعة هي دعاءٌ، وكلُّ ربطة في النسيج هي خيطُ مقاومة.القلنسوة الثقيلة والمنخفضة تحجبُ رؤيته، فتُجبره على التحرك مدفوعًا بالفطرة فقط، مسترشدًا بالصوت والذاكرة وبصدى المصير الصاخب الذي لا يهدأ من حوله.

لكنه لا يسقط، يمضي قدمًا، خطوة تلو أخرى، في مسير كأنه عصيان هادئ على الحمل وعلى القوى الخفية التي يصدّها. الثوب يقاوم، وكذلك القطع المعدنية. اشتباك بين الحماية والتحدي، يتردد صداه في الفضاء، لا صوت استسلام، بل صوت نضال؛ نضال جسد يرفض أن يُسحق تحت عبء ما يحمله. كل غرزة عهدٌ بالصبر، كل خيط شدّته أيدٍ عاشت الفقد كما الصمود. فهذا الثوب ليس مجرد قطعة مركبة، بل شكلته وخاطته نساء لاجئات رقّعت أصابعهن ما هو أعمق من القماش. أيديهن، الثابتة بعزم رغم ما تحمله من آثار التهجير، نسجت حكايات في كل قطبة، شدّت رباط ثِقل الحماية بمواجهة صامتة.

خطن طوال الليل، وإيقاع الإبرة وهي تخترق القماش يمتزج بدعوات مهموسة، بذكريات بيوت غادرنها قسرًا. بكل غرزة يقاومن النسيان، وهذا ما يجعل الثوب رمزًا للمقاومة؛ لم يُفصّل ليكون خفيف الملبس، بل ليفرض وجوده، فمن يرتديه لا يلبس ثوبًا فحسب، وإنما يرث كفاحًا جماعيًا، درعًا يصد قوى روحية ودنيوية خفية.

لطالما كانت الأزياء رمزًا للهوية والتراث والتعبير السياسي. وفي مجموعة نزال ستديو "ما كان بيتي"، تتجاوز الأزياء الجانب الجمالي لتصبح صرخة ضد القمع والتهجير وطمس الهوية الفلسطينية. هذه العلامة التجارية التي أسستها سلڤيا نزال، متأصلة في تراث فلسطين وكفاح أهلها. وقد اكتسبت شهرة واسعة بفضل المجموعة التي أعدتها ضمنمشروع تخرجها، والتي أنتجتها بين عامي 2022 و2023، لتصبح رمزًا للمقاومة الفلسطينية بعد السابع من أكتوبر، مُسلِّطةً الضوء على الحاجة إلى فن يجاهر بأصوات من هُمّشوا. ترفع علامة نزال ستديو القيم الأخلاقية على رأس أولوياتها، فهي تنسج شراكات مع نساء لاجئات، مدافعةً على تمكين المجتمعات بدلًا من الإنتاج الضخم.

وأبرز ما في هذه المجموعة ثوب يزن 72 كيلوغرامًا، مصنوع من 10,000 عملة فلسطينية، خاطته نساء لاجئات.هذه القطعة الاستثنائية تحوّل عنصر الحماية التقليدي إلى درع، فقد كانت العملات النقدية في الثقافة الفلسطينية، منذ قرون خلت، عنوانًا للثراء والأمن والحماية. وفي أعمال نزال ستديو، الثوب ليس مجرد رمز، بل درع يصد العنف الجسدي والرمزي. يُثقل الثوب جسد من يرتديه، فتشق عليه الحركة في مشهد يجسد مقاومة الاضطهاد والتهجير والتاريخ. وهذا العبء الجسدي يعكس صمود الفلسطينيين في وجه القمع. تمزج هذه المجموعة بين حفظ التراث ومشاهد الظلم، مستخدمةً صورًا ظلية مشوّهة استُلهمت من صور فوتوغرافية لفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال. فخيارات التصميم هذه تُظهِر القمع لكي يبقى النضال حيًّا في الذاكرة.

تحادث هذه المنسوجات التي تُضيِّق على الجسد حركته شعور الاختناق الذي يرزح في ظل رِبْقة الاحتلال ونيره، وتُجبر من يرتديها على عيش ما فُرض من قيود على أجساد الفلسطينيين. صحيحٌ أن المجموعة تركز على موضوع النضال، لكنها تفيء أيضًا إلى رسالة التمكين والوحدة. فمجموعة "ما كان بيتي" تُنمي قوة الجماعة من خلال نسج خيوط تاريخ فلسطين وثقافتها ومقاومتها في تصاميمها. وبأنامل اللاجئات الماهرات، تبقى حكايات فلسطين خالدة في الذاكرة محفوظة لا تُروَى فحسب وإنما تُرتَدى ولا تُنسى.

قطعة العملات المخيطة بأيدي نازحات مُهجّرة تمثل الوحدة، وترسم صورة الكفاح الجماعي للشعب الفلسطيني، وتُذكرنا بأنه رغم التقسيم، تظل الهوية الفلسطينية كاملة، متلاحمة لبِناتها كالبنيان المرصوص من خلال الذاكرة والفن والمقاومة. ويؤكد الترحيب العالمي بهذه المجموعة أن للأزياء قدرة على تشييد معابر التكاتف متخطِّية كل الحدود. تتحدى مجموعة "ما كان بيتي" السرديات التي تُخرس ألسنة الفلسطينيين، لتجعل الأزياء سبيلًا للتحاور. وهكذا تغدو الملابس بابًا يُفتح لنقاشات تُرغم الناس على مواجهة حقائق التهجير، والاحتلال، والصمود.

يمد الجسد المستتر بثقل التاريخ خطى ثابتة لا تنال منها عثرات الدرب، والعملات المعدنية، الحبلى بالذكريات، تدفعه للأمام. وعندئذٍ يصبح الثوب إقرارًا بأنه رغم ما نحمله من أثقال الماضي، لا يزال بوسعنا النهوض ونثر قصص تأبى أن تستسلم أمام هبة ريح النسيان. يرتعد المعدن مع المعدن مدويًا سمفونية تمزق الصمت لتصدح بالصمود نشيدًا للتحدي يردده جيل بعد جيل.

في عالمٍ غالبًا ما يُقلَّل فيه من شأن الأزياء، تأتي "ما كان بيتي" لتدفعنا إلى إعادة النظر في الدور الذي تؤديه الأزياء كأداة أهم بكثير من عرض الملابس. كل قطعة من قطع نزال ستديو المثقلة بالعملات ليست مجرد لباس، إنها رواية شجيّة تحكي فصول النضال والصمود والهوية مفتولة في كل خيط. وكل غرزة، مثقلة تشابكات عُقَدها بعبء التاريخ، تغدو شهادة حيّة على الصبر، ودرعًا منحوتا بأوجاع الفقد وأنفاس التحدي. الجسد المغطى بالفضة لا يلبس الماضي فقط، وإنما يحمله، ويعيشه، ويحارب من أجله. ففي هذا اللباس، تفتح الأزياء نافذة تكشف عن الهوية، وعصيانًا، وقصة صمود منقوشة حروفها على صفحات الوجود؛ قصة لا يمكن إجهاض صدى صوتها ولا محو سطور مَتْنها؛ نجم لا يخبو ضوؤه.

coin dress being made

 

coin dress being made

 

image of a coin dress