lady in front of glass

حكاية مهندسة في غزة

للمهندسة الفلسطينية، إيناس الغول

المشاركة مع صديق

تحت وطأة ظروف الحرب القاسية في غزة، تحوّل العمل على تصميم جهاز تقطير المياه بالطاقة الشمسية والفرن الشمسي إلى تحدٍ يومي ومهمة شبه مستحيلة. لم يكن هذا المشروع مجرد محاولة للتخفيف من معاناة النازحين، بل كان رمزًا للصمود والمقاومة، وتجسيدًا لقوّة العلم والإبداع في مواجهة الدمار والحصار. 

بدأت الفكرة أثناء تهجير عائلتي المستمر بسبب القصف المتكرر، حيث اضطررنا للانتقال 16 مرة. ومع كل انتقال، كنت ألحظ تزايد معاناة الناس، وتحديدًا في الحصول على مياه شرب نظيفة ومستلزمات طهي آمنة. حيث كانت المياه الجوفية في أغلب المناطق إما ملوثة أو شديدة الملوحة. وخلال فترات النزوح بالقرب من البحر، كانت مصادر المياه البديلة شحيحة أو غير متوفرة، فيما شكّل الحصول على وقود للطهي التقليدي معاناة يومية نظرًا لارتفاع سعره وقلة توّفره.

استجابة لهذه الظروف القاسية، اجتهدت في البحث عن حلول مستدامة تستغل الموارد الطبيعية المحدودة المتاحة في بيئة غزة المحاصرة. من هذه الحاجة الملحّة، وُلدت فكرة تصميم جهاز تحلية المياه وفرن يعملان بالطاقة الشمسية. كان الهدف من هذه الابتكارات توفير مياه نظيفة ومستلزمات طهي آمنة دون الاعتماد على مصادر الوقود التقليدية. كان العمل على هذا المشروع أثناء الحرب محفوفًا بالصعاب. فتوفّر المواد الأساسية المطلوبة للتصنيع، مثل الزجاج والخشب والمعادن والعوازل، كان شبه منعدم بسبب الحصار. في ظل هذه الظروف، لجأت إلى إعادة تدوير المواد المحلية. فجمعت الزجاج المكسور وأعدت تقطيعه ليتناسب مع متطلبات المشروع. واستخدمت الخشب المستصلح لبناء الهياكل الخارجية، وابتكرت طرقًا بديلة للحصول على المواد غير المتوفرة. وقد تطلب ضمان كفاءة هذه الأجهزة في ظل الموارد المحدودة الكثير من التجارب والإبداع في حل المشكلات. فمثلًا، استخدمت منصات خشبية لتحسين متانة جهاز تقطير المياه الشمسي ومقاومته للظروف الجوية القاسية. كل عقبة تقنية واجهتني، كنت أقابلها بالمرونة والإصرار على تحقيق النجاح برغم الظروف المحيطة.

شكّل العُنف المستمر خطرًا مستمرًا على حياتي وعلى المشروع نفسه، فقد رافقت أصوات الانفجارات عملي، وغالبًا ما كانت الغارات الجوية تدمّر مكاني، ما يضطرني للبدء من جديد في مواقع أخرى. كما أن انقطاع التيار الكهربائي المتكرّر جعلني أعتمد بشكل كبير على الأدوات اليدوية، وغالبًا ما كنت أعمل لساعات طويلة في ظروف قاسية، أحيانًا تحت ضوء الشموع أو تحت أشعة الشمس المباشرة. 

رغم كل هذه التحديات، اعتبرت هذا المشروع وسيلة فريدة للمقاومة. لم يكن فقط محاولة لتحسين حياة الناس، بل شهادة على صمود وإبداع أهل غزة. ومن خلال العلم والابتكار، أردت أن أنقل رسالة إلى العالم، بأن اليأس ما كان يومًا عنوانًا لغزّة، بل موطنًا لعقول مُبدعة قادرة على تحويل المحن إلى مِنح.

شكل الانتهاء من النموذج الأولي لجهاز تقطير المياه الشمسي نقطة تحول. حيث تمكنت العائلات التي عانت من شُح المياه لفترات طويلة من الحصول على مياه شرب نظيفة وآمنة. وبدأت النساء والأطفال وكبار السن، ممن كانوا يعانون من الأمراض الناتجة عن تلوث المياه، باستعادة صحتهم تدريجيًا. وبالمثل، وفّر الفرن الشمسي وسيلة طهي مستدامة وآمنة خففت العبء المالي عن العائلات وقللت من اعتمادهم على مصادر الطاقة الضارة بالبيئة.

سلّطت هذه التجربة الضوء على القوة التحويلية للعلم والابتكار، حتى في أحلك الظروف. فما بدأ محاولةً شخصية لتخفيف المعاناة، تطوّر ليصبح رمزًا للصمود والاستدامة. حلمي الآن هو توسيع هذا المشروع لينتفع منه طيف أوسع من النازحين في غزة وخارجها، خاصة في البلدان التي تواجه تحديات مماثلة تتعلق بشُحّ المياه وملوحتها وتلوثها. هذه المبادرة ليست مجرد حل لمشكلات شُحّ المياه والطاقة، بل هي رسالة أمل. إنها تثبت أنه مهما كانت التحديات كبيرة، يمكن التغلب عليها بالإبداع والعزيمة والعمل الجاد. 

في كل مرة أشاهد فيها عائلة تنتفع من هذه الابتكارات، أشعر بأن معاناتي لم تكن بلا جدوى، وأن المقاومة من خلال العلم والإبداع هي أعمق أشكال المقاومة.

women working

 

lady in front of glass

 

glass and wood

 

women holding a bottle