pink illustration

إنشاء أرشيف الفن السوداني

لريم الجعيلي وحسان الناصر

المشاركة مع صديق

وسط صمت الماضي، يقف أرشيف السودان للفن التشكيلي شاهدًا على تاريخ المجتمع وثقافته. فهو أكثر من مجرد مستودع لوثائق قديمة أو بقايا مواد عصور قد ولّت، إنه نسيج حي للذاكرة الجماعية، يحتضن بين خيوطه أصداء الأصوات المفقودة والقصص التي لم تُروَ. إنه فضاء تتقاطع فيه الحقائق الثابتة مع التفسيرات المتجددة، ما يجعله ميدانًا للتفاعل ومنهلًا للمعرفة. قوته تكمن في قدرته على الحفاظ على آثار الوجود الإنساني، من مخطوطات تاريخية، وصور فوتوغرافية، وتسجيلات صوتية، وقطع مادية، تنطوي على إمكانية إعادة بناء الماضي والحاضر واستيعابهما. ومع ذلك، فإن هذا الفهم لا ينشأ بمعزل عن عوامل أخرى؛ لأن الأرشيف نفسه يخضع لعمليات اختيار وتصنيف وحفظ، تصوغها قوى اجتماعية وسياسية وثقافية محددة.

استعادة الحاضر: أرشفة السودان المعاصر

في سياق إنشاء أرشيف السودان للفن التشكيلي، كُنَّا مهتمين بتاريخنا المعاصر أكثر من تناول حقبة أقدم، وذلك لأن السودان شهد سنين من محاولات محو تاريخه وحاضره. إننا بتوثيق التاريخ القريب، نتمكن من قراءة المسارات التي رسمت حاضرنا، فنحمل ذاكرة الماضي معنا ونحن نستشرف المستقبل. وهنا، لا توجد سلطة مُعينة تُملي ما يستحق أن يُحفظ وما لا يستحق، بل يتكفّل الفنانون أنفسهم بهذه العملية، كونهم الفاعلين الأساسيين فيها، وذلك بما يضمن حضورًا متكافئًا داخل الأرشيف. ويرمي أرشيف السودان للفن التشكيلي إلى الاستجابة لهذه الديناميات من خلال جعل الفنانين السودانيين في قلب عملية بناء الذاكرة.

الصمود كشكل من المقاومة

يتبلور مفهوم الصمود في علاقته بالأرشيف على أصعدة عدة: أولًا، في مقاومة النسيان والإهمال؛ إذ يقاوم الأرشيف، بوجوده واستمراره، محاولات محو الماضي أو إنكاره أو فقده.

ثانيًا، يظهر الصمود في عملية البحث والتنقيب داخل الأرشيف؛ فأرشيف السودان للفن التشكيلي يتسم بطابع تعليمي، يدعو الباحثين والكُتَّاب إلى التبحُّر في محفوظاته، ومحاولة استعادة الروايات التي قصّها الفنانون السودانيون على مر العقود. كما يحثهم أيضًا على إعادة قراءة التاريخ من زوايا مختلفة، وإبراز الأعمال والفترات التي قُوبلت بالإسكات والإغفال. فهذا العمل النقدي، يُزعزع افتراضات الحاضر ويفتح آفاقًا جديدة للفهم.

ثالثًا، بوسع الأرشيف نفسه أن يتحول إلى شكل من أشكال المقاومة؛ فالسودان يفتقر إلى بنية تحتية فنية وثقافية كان بمقدورها أن تضمن الحفاظ على إبداعاته. وفي خضم الاضطرابات وأعمال التدمير الثقافي التي يشهدها البلد حاليًا، يمكن للفنانين استغلال أرشيفاتهم وأعمالهم الفنية الخاصة لصياغة سرديات مناهضة لروايات التاريخ الرسمي. وهكذا يصبح جمع سجلات تجاربهم وحفظها وتداولها، نشاطًا سياسيًا في جوهره، يهدف إلى استعادة الذاكرة وتأمين الاعتراف.

علاوة على ذلك، يطرح الأرشيف تساؤلات فلسفية عميقة حول طبيعة الحقيقة، والذاكرة والسُلطة. فمن له حق تدوين التاريخ؟  وما المعايير التي تحدد ما هو جدير بالحفظ وما ينبغي أن يُستبعَد؟ وكيف نعالج الفجوات الموجودة في الأرشيف؟ وهل بإمكاننا أن نثق ثقة تامة بمضمونه؟ تدعونا هذه الأسئلة إلى التأمل بنظرة ناقدة في علاقتنا بالماضي ومدى تأثيره على صياغة ملامح الحاضر والمستقبل.

تصميم الأرشيف الرقمي: نسج صمود من خيوط البيانات

تمثل صيغة الأرشيف الرقمية نقلةً للأعمال الفنية الهشّة من شكلها المادي إلى شكل رقمي دائم، ليصل صداها إلى كل ركن من أركان العالم. ومن خلال تبني مقاربة التصميم المرتكز على المجتمع، وإشراك الفنانين والباحثين السودانيين والجالية السودانية في بلاد المهجر، يعزز الأرشيف الشعور بالملكية، ويضمن الحفاظ على أصالة الروايات، ويؤكد على التصميم التشاركي كأداة للتمكين.

وفي صميم أرشيف السودان للفن التشكيلي تكمن عملية موجهة بالتصميم تتخطى الجانب الجمالي، يغدو فيها التصميم منهاجًا لبناء الصمود، جامعًا بين البيانات، والمرئيات، والذاكرة، والسرد. طُورت البنية التحتية للمشروع بالتعاون بين المصممين والباحثين والقيّمين الفنيين، حيث شكّل الفكر التصميمي مختلف مستويات الأرشيف، من منطق قاعدة البيانات إلى اللغة البصرية للموقع الإلكتروني.

صُممت قاعدة البيانات لترجمة العوامل المختلفة، حيث يوصل كل فنان وفنانة، وكل عمل فني، وكل كتاب، وكل مؤسسة ببعضها عبر حقول مترابطة تعكس تماسك منظومة السودان الفنية. استند تصميم البيانات الوصفية إلى مسألة سهولة الوصول والتمثيل، أي كيف نُبرز سجلات معقدة ومتداخلة دون أن نُفقدها عمقها؟ في هذا الصدد، تعاون المصمّمون عن كثب مع الباحثين لوضع مخطّط يمكّن كل سجلّ من احتواء بيانات واقعية (العنوان، العام، الوسيط) إلى جانب مستويات سردية وسياقية تمنح أفضل انسيابية متجانسة لنروي تاريخنا وحاضرنا.

يأتي تصميم الموقع كواجهة للتفسير لا كعرض ساكن. فكل صفحة وكل نمط تنقّل صُمّم ليجسّد الانفتاح والرواج، وهو ما يعكس الطبيعة الحيّة للأرشيف. تمنح الواجهة أولوية لسهولة القراءة في المناطق ذات نطاق ترددي محدود، بما يضمن بقاء الأرشيف متاحًا حتى في بنى تحتية رقمية محدودة، في خطوة مباشرة تستجيب لتحديات السودان التكنولوجية.

أخلاقيات الرعاية في العالم الرقمي

اضطلع المصممون بدور حاسم في تطوير التجربة البصرية وكذلك أخلاقيات التفاعل. وبفضل الحوارات مع الفنانين والقيّمين، وجلسات التوجيه مع فريق "المورد الثقافي"، تحوّلت عملية التصميم نفسها إلى نقاش حول الظهور والملكية والتمثيل. وهكذا يغدو الموقع الناتج أرشيفًا ومنصّة في الوقت نفسه، منبرًا لتبادل المعارف والاكتشاف الفني والتأليف الجماعي.

يشكّل أرشيف السودان للفن التشكيلي فضاءً حيويًا للتفاعل بين الماضي والحاضر، فهو ليس مجرد مخزن لبقايا التاريخ، بل إنه موقع نشط بوسعه تشجيع المقاومة، وتعزيز الوعي النقدي، والإسهام في بناء فهم شامل وعميق لماضينا وحاضرنا المشترك. إن التفاعل مع الأرشيف، بصفتنا مختصين أو أفراد مهتمين، هو في حد ذاته عمل من أعمال المقاومة: مقاومة النسيان والتشويه والسرديات الفردية، هو سعي دائم لإسماع الأصوات الغائبة من جديد وإعادة بناء الماضي بما يحقق العدالة في الحاضر والمستقبل.

وبُغية الحفاظ على شفافية الأرشيف وسهولة الوصول إليه، صُمّم نظامه الرقمي بتركيز على أخلاقيات التصميم، وسلامة البيانات، ومشاركة المجتمع؛ إذ تُجمَع المواد من خلال إسهامات الفنانين والإدخالات المنسقة، وتُخزّن في قاعدة بيانات آمنة ومترابطة تسهّل الوصول إلى الفنانين والأعمال الفنية والمؤسسات. تحمي تدابير المصادقة البيانات وحقوق الطبع على حد سواء، في حين تشجّع الواجهة المستخدمين على المشاركة والتصحيح، للتأكد من أن الأرشيف كائن حي متطور وليس نظامًا مغلقًا.

ومن هذا المنطلق، يصبح التصميم حلقة الوصل التي تتوسط بين التكنولوجيا والذاكرة، وبين هشاشة السرد البشري وديمومة الأنظمة الرقمية. وفي خضم هذه العملية، لا يكون الصمود موضوعًا فحسب، وإنما مبدأ من مبادئ التصميم، حيث تكون قابلية التكيف والشمولية والاستمرارية مدمجة في قلب بنية الأرشيف.

يمكنكم الاطلاع على المشروع على الموقع الإلكتروني: www.sudanartarchive.com

يرمي أرشيف السودان للفن التشكيلي إلى إنشاء أرشيف مكرس لحفظ التراث الفني الذي ينتجه الفنانون السودانيون. يغطي المشروع 50 عامًا من النشاط الإبداعي في السودان، ويوثق أعمالًا فنية، وفنانين ومؤسسات تعنى بالفن وتنشط منذ نصف قرن في تاريخ السودان (1975-2025).

يندرج المشروع تحت مظلة زا ميوز ملتي استيديوز، وأنتجت مرحلته الأولى بمنحة الدعوة المفتوحة "لنستعيد المشاع: مشروع لبناء تعاون ثقافي في المنطقة العربية"، بدعم من "المورد الثقافي"، ومؤسسة عبد المحسن القطان، ومؤسسة اتجاهات-ثقافة مستقلة، وجمعية أفلامنا، وجمعية الشارع فن.

pink illustration

 

painted women holding coffee

 

illustrated blue bus

 

illustrated flowers

 

illustrated grey bunny