في نوفمبر 2024، افتتح بينالي دوحة التصميم معرض "حِرف تصميم المُستقبل" في متحف الفن الإسلامي، ضمن فعاليات النسخة الافتتاحية من البينالي. جمع المعرض أعمالًا فنية معاصرة لـ 5 صناع (فنانين، مصممين، حرفيين) من المغرب و4 من قطر، جاءت حصيلة برنامج إقامة فنية وتبادل ثقافي امتد لعام كامل.
ما وحّد بين هؤلاء الصنّاع هو التزامهم المشترك بالحرف التقليدية في المنطقة، وإيمانهم بقدرتها على الصمود في وقت تُعتبر فيه هذه الحرف مهددة بالأفول، سواء بفقدان الممارسات أو الممارسين أو حتى الأسواق. تحدّى جميع المشاركين في البرنامج ومعرض "حِرف تصميم المُستقبل" التصنيفات الضيقة، ورفضوا تهميش الحرف في سياقات الفن والتصميم العالمية.
حياكة الصمود
قدّمت مجدولين نصر الله (قطر) عملها (Dis-orient(al))، ليُظهر كيف يمكن نسج سرديات للمقاومة والصمود عبر ممارسات تقليدية مثل الحياكة والتطريز.
خلال مشاركتها في برنامج الإقامة الفنية في المغرب، تعاونت نصر الله مع شركة "سجاد بني" الواقعة خارج مراكش عند سفوح جبال الأطلس، وقد شهدت نصر الله أثر التزام الشركة بتدريب وتطوير وقيادة تصميم مجموعة من الحائكات، ودعتهن إلى التعاون في صناعة سجادة تجمع بين حرفة الحائكات وتعكس صورة المقاومة والصمود التي تتميز بها ثقافة موطنها: فلسطين. وكانت النتيجة (Dis-orient(al))، سجادة مغربية تقليدية من تصميم مجدولين نصر الله.
عند الاقتراب من السجادة الضخمة (Dis-orient(al))، يلفت الانتباه ذلك التكوين الحاد من الخطوط البيضاء والرمادية التي تُشكّل مقدمة التصميم. غير أن هذه الخطوط، عند التمعّن فيها، تتكشف بوضوح كرموز لنقاط التفتيش وأبراج المراقبة وأساليب السيطرة المعمارية التي زُرعت في أراضي فلسطين لتكبيل شعبها وقمعه. تستدرج نصر الله المشاهد إلى تصميمها عبر هذه الخطوط، وكلما اقترب المرء أكثر من السجادة والصورة، أخذت الألوان الخافتة والأشكال الحيوية في الخلفية والحواف بالظهور، ليكشف العمل عن طبقات جديدة من السرد.
هناك، يتضح أن جوهر الحكاية يكمن في الزخارف النباتية التي تجسّد بساتين الزيتون والبرتقال، وخضرة الأرض، وخصوبة الطبيعة الفلسطينية. وفي نهاية المطاف، يتخذ عمل نصر الله التعاوني هيئة السجاد المغربي التقليدي، ناسجًا صورة للأمل والمقاومة في مواجهة القمع والقسوة غير المعقولة التي يتعرض لها شعب فلسطين وأرضها.
من بين الفنانين المنخرطين في ممارسات السجاد المغربي التقليدي يبرز الفنان أمين الكطيبي، المقيم في المغرب. فبالنسبة له، يُشكّل الصوف وحياة الحائكات وقصصهن محور ممارساته الفنية. وخلال فترة إقامته الفنية، انشغل الكطيبي بالبحث في تاريخ التعليم في المبنى الذي يُعرف اليوم باسم "ليوان، استديوهات ومختبرات التصميم"، وهو المبنى الذي احتضن أول مدرسة للبنات والنساء في المدينة. ومن خلال مقاربة مادية استندت إلى عمارة الطين/الطوب ومواد الحياكة التقليدية، انطلق في تحليل هذه التواريخ وصولًا إلى ابتكار عملين جديدين.
قدّم الكطيبي عمله "سبورة"، في صالات عرض متحف الفن الإسلامي وهو نسخة طبق الأصل من إحدى اللوحات المستخدمة في تعليم الفتيات والنساء في تلك المدرسة. على سطح السبورة خطّ حرف "نون النسوة"، ومنه انبثقت كميات كبيرة من الصوف المغربي المستخدم في صناعة السجاد التقليدي، ممتدة عبر فضاء المعرض. بالنسبة للكطيبي، حملت كل خصلة صوف حكاية منسوجة من ذاكرة الحائكات، لتصبح في هذا السياق رمزًا للصمود والأمل اللذين صاغهما تاريخ تعليم المرأة.
تواصلت هذه الموضوعات في عمله الثاني " الدوحيات: متاهة من التنوير "، وهو عمل فني صُمم خصيصًا ليتناغم مع موقعه في حديقة متحف الفن الإسلامي. في هذا العمل، أبدع الكطيبي منحوتة تجسد تعليم المرأة وقوتها، مستعينًا بتقنية البناء بالطين التقليدية المعروفة في المغرب والمنطقة. وتمتاز هذه المادة بمرونتها وقدرتها على الصمود أمام تغيرات المناخ، وبارتباطها العميق بالأرض وسكانها المحليين. ومن خلال هذا التوظيف الواعي للمادة، ينسج العمل سردية عن الصمود والقدرة على استشراف مستقبل جديد، انطلاقًا من التفاعل مع المحلي والأصيل، ومن خلال قوة الحِرف اليدوية.
التعاون سبيلًا للصمود
تُعد الأشجار من أطول الكائنات الحية عمرًا على كوكب الأرض، ومن ثمّ يمكن للخشب أن يُجسّد رمزًا للصمود في مواجهة أزمات العالم المتعددة. بهذا المنظور، استخدم الفنانان حمزة القادري (المغرب) وعبد الرحمن المفتاح (قطر) الخشب في أعمالهما الإبداعية.
اعتاد القادري أن يبدع قطعًا تصميمية عالية الجودة وعملية بحجم الغرفة. وخلال زيارته لمجموعات متاحف قطر واستوديوهاتها ومعارضها في الدوحة، استلهم منحوتة من الخشب والنحاس بعنوان "الصمود وسط الدمار". عبّر العمل عن معاناة الأفراد في المنطقة اليوم، بينما اتخذ النحاس رمزًا للقوة والأمل في مواجهة الدمار. وقد عُرضت هذه القطعة أمام "الغرفة الدمشقية" (سوريا) من مجموعة متحف الفن الإسلامي، التي تُعد بدورها رمزًا للصمود.
وفي إطار التعاون، عمل القادري والاستوديو الذي يعود له في الدار البيضاء مع المصمم عبد الرحمن المفتاح على تصميم "أرفف تورنادو". يجسد هذا العمل حركات الرياح والرمال في صحاري قطر، والطاقة التي تنبثق من رقصة الرمال المتغيرة. ومن خلال الخشب، تمكن المفتاح والقادري معًا من تجسيد طبيعة الرياح الصحراوية المتحولة وحركتها المستمرة، بما يمنح العمل حضورًا يعكس القدرة على الصمود أمام الظروف المتغيرة باستمرار.
تسخير الصمود
أُعجبت ريما أبو حسن، المقيمة في قطر، بكيفية حضور التراب المغربي كموضوع ومادة أساسية في أعمال العديد من الصنّاع الذين التقت بهم خلال رحلتها في المغرب. وعند عودتها إلى قطر، قررت الاستغناء عن الطين المستورد والبحث بدلًا من ذلك عن الطين المحلي. ومن خلال بحث عملي، ابتكرت عملها "مكتبة الزليج" مستخدمة طينًا من أرض قطر. ويُعد هذا العمل تكريمًا للمكتبات ومعروضات بلاط الزليج المغربي التي شاهدتها في المساجد، والتدخلات الزخرفية، والأكاديميات، والاستوديوهات أثناء إقامتها هناك. استعانت أبو حسن بمفردات الزليج لتشكيل أوانٍ خزفية، وضعتها ضمن مشهد صحراوي في فضاء المعرض.
ومن بين المشاريع التي يستحضرها استوديو أبو حسن، تجربة المصممة المغربية بشرى بودوا. فقد دأبت بودوا على استخدام الطين المغربي لابتكار قطع داخلية وظيفية، لكنها في معرض "حِرف تصميم المُستقبل" تحدّت ممارساتها اليومية والوظيفية والزخرفية لتبتكر بدلاً من ذلك أشكالاً نحتية. اختارت هذه المرة الطين المغربي غير المزجج، وكانت النتيجة عملًا بعنوان "طوطم": ثلاثة أشكال طوطمية تُشرف على زوار صالات العرض. تعكس الأسطح غير المزججة لهذه الطواطم، عبر تفاصيلها الدقيقة، صمود أساليب الصناعات الحرفية والمعرفة والمادية الأمازيغية الأصيلة.
وعلى غرارها، وجدت المصممة ندى الخراشي، المقيمة في قطر، إلهامها في التفاعل مع الأرض والمواد المحلية. استلهمت من الأشكال الطبيعية في قطر، ولا سيما الصخور، إمكانيات تعكس ملامح الصمود في مواجهة الأزمات المناخية مثل ندرة المياه. وقد جسّد عملها "66 كم" هذه الانشغالات، حيث قدّم رؤية تصميمية تخيّلية تتساءل عمّا إذا كان يمكن النظر إلى صخور قطر كوسيلة للصمود أمام تحديات نقص المياه.
التجديد كمظهرٍ للصمود
خلال إقامتهم في المغرب، استمع المصممون القادمون من قطر إلى محاضرة البروفيسورة إيمان بنكيران، التي كرّست عملها لدمج الحرف اليدوية بالعمارة بحثًا عن حلول مستدامة للحرفيين والمدن والمجتمعات. أكدت بنكيران في حديثها على قوة الصمود التي يُتيحها التعاون بين الحرفيين المعاصرين، إذ يمكن لهذا التلاقي أن يثمر تعبيرات وأشكالًا جديدة. ورأت أن مثل هذه المبادرات التعاونية تحمل إمكانات حقيقية لمعالجة الأزمة التي تواجه سبل عيش العديد من الحرفيين واستمرار تقاليدهم.
تُعد سارة أوحدّو (المقيمة في فرنسا والمغرب) من أبرز الصانعين الذين أقاموا ممارساتهم على سنوات طويلة، بل عقود، من التعاون الوثيق مع حرفيين ومجتمعات محددة. ومن بين مشاريعها اللافتة مشروع "عروس أنزار"، الذي انطلق من زيارتها لمتحف الفن الإسلامي في قطر قبل أكثر من عقد. إذْ أثارت إعجابها القطع الزجاجية المصرية والإيرانية والسورية التي تعود إلى القرنين الثامن والثاني عشر، إلى جانب غيرها من مقتنيات المتحف. هذا الاكتشاف دفعها للتساؤل عن غياب حرفة الزجاج التقليدية في المغرب، قبل أن تتعمق في التاريخ وتكتشف أنه كان تقليدًا قصير الأمد.
منذ ذلك الحين، كرّست أوحدّو جهودها للعمل مع خبراء نفخ وتشكيل الزجاج على الطريقة الإسلامية في مركز سيرفا بمرسيليا، حيث طوّرت مقاربات معاصرة للأشكال التقليدية والقديمة في المنطقة. واليوم، تسعى لإشراك الحرفيين في المغرب وتدريبهم على تشكيل الزجاج بالطريقة التقليدية، ما يمهّد لعودة هذه الحرفة إلى المشهد المحلي. ومن خلال هذا التعاون، يُعاد تقديم تشكيل الزجاج كحرفة في المغرب، ليغدو نموذجًا لقدرة الحرف اليدوية على الصمود في القرن الحادي والعشرين. في معرض "حِرف تصميم المُستقبل"، وُضعت القطع الزجاجية التي أنجزتها أوحدّو إلى جانب تلك المعروضة من مجموعة متحف الفن الإسلامي، لتكتمل دائرة السرد وتُبرز كيف يمكن للمجموعة أن تجسد الصمود الكامن في المنطقة، وتُلهم صانعي المستقبل والأبحاث والممارسات الجديدة لإعادة تنشيط وتوجيه الأجيال القادمة من المبدعين.
يوازن أمين أسلمان (المقيم في المغرب) في عمله بين أحدث التقنيات، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد، وأعرق تقاليد الحرف اليدوية في بعض أقدم أفران حرق الخزف في المغرب. ففي معرض "حِرف تصميم المُستقبل"، قدّم أسلمان عملًا تركيبيًا تجريديًا ضخمًا من الخزف بعنوان "كريستالين"، بحجم الغرفة. لهذا العمل، جرى شحن نحو 20,000 قطعة خزفية "متطابقة"، استُلهمت من بلاط الزليج وصُممت بتقنية ثلاثية الأبعاد. صُنعت كل قطعة عبر صب الطين في قوالب ثلاثية الأبعاد قبل أن تُحرق في أحد أقدم الأفران بمدينة تطوان المغربية.
يستحضر "كريستالين" من جهة ملامح مدينة مغربية عتيقة، ومن جهة أخرى يرسم مشهدًا حضريًا مستقبليًا بصياغة رقمية. وفي عمليات الإبداع والإنتاج، جسّد أسلمان صمود الحرف والمعارف المحلية، سواء في المواد والتقنيات التقليدية، أو في الأشكال واللغات. لقد برز هذا الصمود بوضوح حتى في مواجهة التقنيات الرقمية وأساليب الرؤية الجديدة للعالم.
وخلال زيارتهم لاستوديو المصمم يونس دوريت في مراكش، شجّع دوريت المصممين القطريين المشاركين في برنامج الإقامة الفنية على إعادة النظر في تراث التصميم وتعاليمه التي لطالما أعطت الأولوية للنماذج الغربية و"أبطال" التصميم باعتبارهم مرجعًا للمعرفة. دعاهم دوريت، بدلًا من هذه المفاهيم الثقافية الاستعمارية عن التصميم وتاريخه، إلى التوجه نحو ممارسات الصناع الراسخة والأصيلة في المنطقة، مثل الحرف اليدوية وممارساتها، سواء التقليدية منها أو المعاصرة، بوصفها مصدرًا حقيقيًا للمعرفة والإلهام.
في كتابه الصادر عام 2013 بعنوان "اختراع الحرف"، يشير غلين آدامسون، المدير الفني لبينالي دوحة التصميم، إلى أنه خلال زمن الثورة الصناعية جرى تهميش الحرف وتقليل قيمتها بشكل استراتيجي لصالح الفنون الجميلة والنحت الحديث. ولم يتجلَّ هذا التهميش وإرثه بوضوح كما ظهر في سياقات ما بعد الاستعمار في دول الجنوب العالمي، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتسعى العديد من الممارسات المعروضة هنا وفي معرض "حِرف تصميم المُستقبل" إلى مقاومة هذا التهميش عمدًا، والدفاع عن مكانة الممارسات والمجتمعات الحرفية، والصنّاع، وأساليب المعرفة المرتبطة بها. بذلك، تُوفّر هذه الممارسات مساراتٍ للصمود، تحفظ للصنّاع وسردياتهم وتقاليدهم الحرفية حضورًا فاعلًا في مختلف أنحاء المنطقة.




