مرحلة البحث والإلهام: السياسات البيئية
بصفتي فنّانة أعيش في عصر الأزمة المناخية، أرى أنه من واجبنا أن نزِن الأثر البيئي المُترتب على كل خيار مادّي نتخّذه. من هذا المنطلق، عندما سمعت عن الفرصة المتاحة للتقدّم بمقترح ليُعرض في بينالي لندن للتصميم2025، شرعت فورًا في نسج أحلامٍ حول الاحتمالات الممكن طرحها. كانت فكرة مشروعي تقوم على استخدام المواد الصديقة للبيئة، وكوني غالبًا ما أسبر أغوار المجال السياسي كفنانة؛ ارتأيت أن هذه الفرصة تُعد الأمثل لإنشاء مشروع يتناول موضوع التغيّر المناخي، ويبرز جمال الإقليم الذي أعيش فيه.
بدأت مع نيهان يعقوب، وهي شاعرة محلية وزميلة عضو في هيئة التدريس في جامعة فيرجينيا كومنولث، رحلة جمع المعلومات لمشاركتها مع زملائنا في هذا العمل: جوش رودينبيرغ وإستر دو فوف. كشفت أبحاثنا الأولية العواقب الكارثية للتغير المناخي من جفاف شديد، وشُحِّ المياه، والحرائق المُستعرة، فضلًا عن ارتفاع منسوب البحار، والفيضانات، وذوبان الجليد في القطبيْن، والعواصف، وتراجع التنوّع الحيوي.
توصلنا في هذا البحث إلى تفصيل مهم وهو: "أن العلماء يتنبؤون بطقسٍ أكثر حدة نتيجة التغيّر المناخي، ويتوقعون أيضًا زوال أحد أفضل خطوط الدفاع ضد الأمواج والفيضانات". سلّطت هذه الدراسة الضوء على الشعاب المرجانية وقدرتها على "العمل كحواجز طبيعية للأراضي الساحلية، حيث تُحدث احتكاكًا يُبطئ من اندفاع الأمواج مجنّبة المجتمعات الساحلية أضرارًا مدمّرة".
وبينما يعي العديد من الناس الخطر المُحدق بالشعاب المرجانية، نظرًا لارتفاع درجة حرارة المياه البحرية وما يصحبه من ابيضاض جماعي لها، تظلّ الجهود العلمية لاسترجاع هذه النظم البيئية والحفاظ عليها مجهولة بالنسبة للكثيرين. إذ يدرس العلماء حول العالم الجينات الوراثية للشعاب المرجانية بغرض تحديد أكفأ الفصائل في مواجهة العوامل البيئية المُجهدة. قد تُسهم هذه المعرفة في انتقاء النوع الذي سيُستزرع وتعاد إنتاج مستعمراته البيئية المرجانية للمساعدة في عملية إحياء هذا النظام البيئي البحري.
وكان من أبرز اكتشافاتنا، امتلاك الشعاب المرجانية في منطقة الخليج العربي لمرونة فريدة، تساعدها على الصمود في مواجهة تقلّبات درجات الحرارة، وتُمكّنها من تحمّل الارتفاع السنوي في درجات الحرارة حتى 15 درجة مئوية، بينما لا تستطيع الشعاب المرجانية في أي مكان آخر حول العالم أن تصمد أمام تغيّر نسبته درجتين مئويتين في درجات الحرارة. ويرى فيصل الجيلاني، من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية أنّ: "ما تتحمله الشعاب المرجانية في هذه المنطقة قد يكون ما على الشعاب المرجانية حول العالم أن تتكيف معه مستقبلًا نظرًا لارتفاع درجات حرارة المناخ". ويضيف قائلًا: "من الضروري فهم آلية صمود هذه الشعاب المرجانية في وجه درجات الحرارة المرتفعة هنا وأن نسعى لتطبيق هذه الآلية في أماكن أخرى حول العالم" [1].
نشرت مجلة نيتشر كوميونيكيشنز، بحثًا تُبرز من خلاله مُرونة الشعاب المرجانية في منطقة الخليج العربي، حيث جاء فيه: "للشعاب المرجانية في منطقة الخليج العربي قدرة على تحمّل درجات الحرارة في فصل الصيف لما يصل إلى 36 درجة مئوية، ما يجعلها نموذجًا مثاليًا لدراسة آلياتها المرتبطة بقدرتها على التكيّف الحراري[2].
ووفقًا لما تراه ليتسيا كارافاليو، رئيسة فرع النظم البحرية والمياه العذبة في برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن: "إعادة بناء مواطن الشعاب المرجانية تتيح للبيئة فرصةً للتأقلم، والتعافي -على ما آمل- من تأثيرات التغيّر المناخي التي لم يعد بوسعنا تفاديها[3]".
هذه الضرورة الملحة دفعتنا إلى أن نطرح السؤال الآتي: كيف لنا أن نُشرك الناس في معركتنا ضد التغيّر المناخي قبل فوات الأوان؟
مرحلة الإنتاج: بناء عالم الكثبان الرملية والأطوم
كان التحدي التالي يكمن في صياغة مشروع يُبرز منطقتنا، قطر وبقية الشرق الأوسط، بلغة عالمية. على الرغم من أن التغيّر المناخي يُعد قضية ذات مستوى عالمي، يبقى التساؤل المطروح هو كيف لنا أن نعالج المخاوف الإقليمية؟
وفقًا لمنظمة الأمم المتحدة: " نظرًا لأن الأرض عبارة عن نظام يرتبط فيه كل شيء ببعضه البعض، فإن التغيّرات التي قد تطرأ في منطقة ما، بوسعها أن تؤثر في كافة المناطق الأخرى[4]".
من هذا المنطلق، اعتمدنا في عملنا الفنيّ التركيبي طابع الهندسة المقدسّة كعنصر تصميمي، واخترنا شجرة الحياة تحديدًا باعتبارها رمزًا يدل على الترابط والتشابك بين أشكال الحياة المختلفة. بما في ذلك تأثيرات التغيّر المناخي المباشرة مثل: الجفاف القاحط وندرة المياه بالإضافة إلى ارتفاع منسوب مياه البحار وتراجع التنوّع الحيوي.
وأثناء العمل، ظهر مفهوم تصميمي لم يكن بالحسبان، لكنه ناسب موضوع البحث: وهو استخدام لعبة سجون وتنانين كإطار سردي، حيث تشكّل آلية اللعبة التي تقوم على المشاركة الفاعِلة وحل المشكلات وبناء العوالم، مجازًا مؤثرًا في موضوع التغيّر المناخي. فكما تعتمد هذه اللعبة على المساهمة الفعّالة لتصوغ سرديتها، فإن معالجة موضوع التغيّر المناخي تتطلب تفاعلًا وتخطيطًا استراتيجيًا وجهودًا جماعية لمواجهته. تحولت الكثبان الرملية المتحركة في قطر إلى أرض لمشروعنا، وأصبح الأطوم، وهو كائن بحري محلّي ومهدّد بالانقراض، تميمة لبحثنا. وصار "الكثبان الرملية والأطوم" العنوان الذي كان مؤقتًا جوهر المشروع النابض، مجسّدًا رؤيتنا الفنية والعلمية. وبطبيعة الحال، فقد توّلت نيهان، ببراعتها الشعرية، دور "سيدة الأبراج المحصنة"، حيث نسجت قصائدها في قلب التجربة، لتقدّم سردًا تفاعليًا غامرًا يوجّه المشاركين عبر الحقائق المعقدة لأزمة المناخ.
حصلتُ على مساحة عمل في ليوان، استوديوهات ومختبرات التصميم، لتحويل هذه الأفكار إلى واقع ملموس، بينما أمّنت إستر آلات الحياكة اللازمة من جامعة فرجينيا كومنولث في قطر وسرعان ما انضم إلينا حرفيون محليون، كرّسوا وقتهم وجهودهم للمساعدة في الإنتاج الضخم للعناصر النحتية الناعمة التي تشكّل جزءًا محوريًا من تركيبنا الفني. وبينما كنا نبني ونختبر ونحسّن من عملنا باستمرار، كان استديو العمل الخاص بنا يضجّ بالطاقة.
خارج جدران الاستوديو، وثّقنا المشاهد الطبيعية في قطر، والتقطنا صورًا للشعاب المرجانية والكثبان الرملية في الخليج العربي. ودُمجت هذه الفيديوهات وعُدّلت في مرحلة ما بعد الإنتاج، لتتراوح ما بين الفيلم الوثائقي الطبيعي، والإعلان التجاري، والمشهد الحالم. أما شِعر نيهان فيروي قصة الدور الذي تلعبه البشرية في مسألة تغيّر المناخ، محاكيًا المراحل النفسية التي نمر بها أثناء الحزن: من إنكار وغضب واكتئاب، وأخيرًا التقبّل.
المهمة: دعوة للتغيير
إن مشروع "الكثبان الرملية والأطوم" في جوهره قصة صّمود، لا صمود شعاب الخليج المرجانية وحسب، وإنما أيضًا صمود المجتمعات التي تتحد معًا لمواجهة التحدّيات المُلحة. ودعوة لكي نعترف بأخطائنا، ونستلهم القوة من التعاضد، ونعيد تصوّر دورنا كبشر في تشكيل مستقبلنا.
من خلال هذا المشروع، نسعى جاهدين لإيجاد مساحة تفاعلية تمكّن المشاركين من مشاهدة قوة شعابنا المرجانية، وتبعات التغيّر المناخي، والانخراط للإجابة عن تساؤلات جوهرية. عبر دمج الفن والعلم وسرد القصص، ندعو جمهورنا للتأمل ليس فقط في الأزمة البيئية الراهنة، بل في قدرتهم على إحداث تغيير فيها.
من دوي الشدائد الصاعقة
نهضنا!
من لحظة كُسرت فيها عظامنا
نهضنا!
نحن مرجان مهيب، صامد وحيّ!
جنبًا إلى جنب نكافح من أجل البقاء
جنبًا إلى جنب ندافع كأشقاء
-نيهان يعقوب: ومع ذلك... نهضنا





