blue engraved tiles

صانعات كاشي ماكلي

لفرح الصديقي

المشاركة مع صديق

الاقتباسات الواردة في هذا النص منقولة عن مقابلات أجراها متحف مطاحن الفن مع المعمارية ياسمين لاري

من أعمدة الخيزران المجفف المتشابكة، وأسقف القش الممدودة، وجدران الطين المكسوّة بزخارف لامعة وبلاط مزجّج تزخرفه نقوش نباتية وحيوانية رسمتها أيدٍ ماهرة—تولد مساحات تنبض بالدفء والأمان. هياكل مؤقتة مشيّدة من موارد الأرض من حولها، مفتوحة على الضوء والريح، تنهل من روح المكان، وتستحضر تقاليد حرفية توارثتها الأجيال في مجتمعات السكان الأصليين. هنا، تتحول المواد المحلية إلى لغة معمارية، تتردد أصداؤها على امتداد طرق التجارة في المحيط الهندي، حيث يلتقي التراث بالوظيفة، وتتماوج التفاصيل كأنها أنغام قديمة. وعلى الرغم من ندوب الحقب الاستعمارية التي لا تزال ماثلة في أرجاء البلاد، تظل العمارة العامية شاهدًا حيًّا على مقاومةٍ هادئة، تسهم في التخفيف من آثار تغيّر المناخ وتفتح أفقًا للتكيّف مع تحدياته.

غير أن الصناعات كثيرًا ما تعجز عن تلبية هذه الاحتياجات بما يواكب وتيرة التطور الحديث والتوسع المتسارع، ما يؤدي إلى أضرار مباشرة تلحق بالبيئة، ويتحمّل السكان المحليون عواقبها البيئية الجسيمة. فكيف استطاعت التقاليد والأساليب العامية أن توازن بين صون الثقافة وتلبية متطلبات الحاضر؟ وكيف يمكن للمجتمعات المهمشة أن تستعيد أمنها في سبل العيش، من خلال إحياء تراثها غير المادي، وتسليط الضوء عليه، وحمايته من الاندثار؟

في صباح الثامن من أكتوبر عام 2005، ضرب باكستان زلزال مدمّر بلغت قوته 7.6 درجة على مقياس ريختر. وأتت الكارثة على البنية التحتية الحيوية في المدن الكبرى والمجتمعات الريفية على حد سواء، تاركة وراءها دمارًا واسعًا وآثارًا عميقة. وقد تسبّبت الفياضانات المتكررة على مر السنين في تفاقم المعاناة خاصة لدى النساء والأطفال.

"لم أدرِ ما يمكنني فعله وقتئذٍ. لم يكن لي سابق عهد بالعمل الإنساني، ولا كنت أعلم ما إذا كان للمهندسين المعماريين دور يُذكر. ومع ذلك، قررتُ الذهاب."

هكذا بدأت ياسمين لاري، أول معمارية في باكستان، رحلتها الاستثنائية. فإلى جانب ريادتها في مجال الاستدامة والحفاظ على التراث من خلال هندسة العمارة، وجّهت بوصلتها نحو المجتمعات المهمّشة، وكرّست تصاميمها لتلبية احتياجاتها الملحّة. لقد منحها عملها في الأحياء الفقيرة خبرة في التواصل مع الناس مباشرة، وفتح أمامها أفقًا جديدًا: لتستكشف كيف يمكن للتراث الثقافي أن يتحوّل إلى وسيلة للصمود في وجه تغيّر المناخ، عبر التصاميم المتناغمة مع النظم البيئية.

"قد نعتقد أنَّ التغير المناخي يتطلب تأهبًا مسبقًا للكوارث في صورة هياكل إنشائية، وهذا صحيح؛ لكنني أشعر بحاجةٍ إلى جوانب معنوية أيضًا؛ أمورٌ تتعلق بالبشر وتستنهض قدراتهم لتمكينهم من الاهتمام بأنفسهم. علينا إعادة بناء الحياة من جديد؛ فهذه المجتمعات هشةٌ للغاية، تواجه كارثةً تلو الأخرى دون موارد للتعافي. ولا يقتصر جهدي على تصميم الهياكل، بل يشمل مراعاة ما ينفع العاجزين عن تحمل تكلفتها."

تأسست "مؤسسة التراث الباكستاني" عام 1980 على يد ياسمين لاري وزوجها، المؤرخ سهيل ظهير لاري، بهدف الحفاظ على البيئات العمرانية التقليدية والتاريخية وتوثيقها. وانطلاقًا من قناعة راسخة بأن التراث الثقافي أداة فعالة لتحقيق الاندماج الاجتماعي، أطلقت المؤسسة مبادرات للإغاثة من الكوارث، تتضمن برامج تدريبية في مجال الإسكان المستدام منخفض التكلفة وتنمية المجتمع. وفي ماكلي، الواقعة في إقليم السند، أنشأت المؤسسة "المركز الثقافي الخالي من الانبعاثات الكربونية" على مقربة من واحدة من أكبر مدن الموتى في العالم، والمُدرجة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وقد شهدت ماكلي كوارث طبيعية متكررة، أدت إلى تدفّق اللاجئين جراء الظروف المناخية، كما ألقت بظلالها على الأضرحة والمقابر التاريخية، ما استدعى جهودًا حثيثة لصون هذه المعالم من الزوال.

"يُعد الحفاظ على التراث من المجالات الجوهرية، وهناك خبراء بارعون يتوقون إلى الإسهام فيه. لكن أين هم أولئك الذين يجب أن يكونوا شركاء حقيقيين في هذه الجهود؟ حين تزور هذه المواقع، ستجد السياح والخبراء، لكنك نادرًا ما تجد الفقراء الذين يعيشون إلى جانب هذا الكنز—أو الذين كانوا جزءًا من صناعته. لطالما شعرتُ بأن عليّ أن أتواصل معهم، أن أستمع، وأن أكتشف ما يمكن أن نفعله معًا."

ويُعد فن "كاشي غاري"—صناعة البلاط المزجّج المعقّد— حرفة عريقة توارثتها أجيال من الحرفيين المعروفين باسم "كاشيغار". وتزدان به العديد من مباني موقع ماكلي التراثي، وقد أُنتج هذا البلاط في مدينتي هالا وناصيربور المحليتين، ليصبح إحدى أبرز صادراتهما إلى العالم. كلمة "كاشي"، التي تعني "بلاط" بالفارسية، تعود أصولها إلى مدينة قاشان الإيرانية، حيث وُلد هذا الفن. ويتّسم بزخارفه الزهرية والهندسية الدقيقة، ويُعد عنصرًا أساسيًا في الزخرفة المعمارية الإسلامية. ويصنع من خامات محلية: يُستخرج الطين الأحمر أو الأبيض من ضفاف الأنهار، وتُستخدم المعادن الطبيعية لصنع الطلاء والتزجيج، في تناغم مع النظام البيئي البسيط والعضوي الذي ابتكرته لاري—"النظام اللصيق بمحيطه" كما تسميه.

"أعتقد أن أجمل ما تعلمته كان خلال عملي مع النساء. حيث لم يكن بمقدور أحد الوصول إلى تلك الأماكن المغلقة، لكنني كنت قادرة على ذلك لأنني امرأة. هناك، عرفت معاناتهن وأحزانهن، تلك التي لم تُمنح لهن فرصة للتعبير عنها بسبب عزلتهن العميقة."

في مشروع الترميم، كانت لاري تفتح أبواب الأمل للنساء النازحات، حتى المتسولات منهن، لتشاركهن مباشرةً رحلتها. دربتهن على فن صناعة الكاشي، وساعدتهن على صقل مهاراتهن، فأصبح لكل واحدة منهن إبداعها الخاص. حمل المشروع بذور التنمية المجتمعية عبر تبادل المعرفة، مانحًا النساء المحليات فرصة قيادة المشهد، والاحتفاء بقوتهن الخفية التي تُشرق من خلال إبداعاتهن. اليوم، تنتج كثيرات من هؤلاء النساء بلاطهن الذي يبعنه، وقد نقشن أسماءهن على ظهره، في إعلان صامت بملكيتهن وفخرهن به. هذا البلاط، الذي يُستخدم في ترميم المواقع التراثية عبر البلاد، أعاد الحياة ليس فقط للأبنية، بل لحكايات النساء اللائي صنعنه. فقد سمح البرنامج لصانعات الكاشي بتحسين حياتهن وحياة أطفالهن، ليصبحن رائدات للطريق، متحديات للأدوار التقليدية، ناقلات لمشعل الاحترام والتقدير في مجتمعاتهن، وملهمات لأخريات ليسرن على ذات الدرب.

"إنه شكل من أشكال التعبير الفني، ترسم فيه النساء أزهارًا رائعة بألوان طبيعية، فينشئن حديقةً لم يحظين بها في الواقع من قبل. أو ينحتن طواويس بديعة من الطين، أو أشكالًا سماوية من نتاج أحلامهن. هكذا صارت النساء الآن يمتلكن القدرة على التعبير عن رغباتهن، ويصنعن عوالم أخرى لأنفسهن. إنه ميدانهن الخاص."

مع استمرار أثر استخدام المواد المحلية في الممارسات المهنية على المجتمعات التي تواجه تحديات، تُقدّم مبادرات مثل تلك التي تطلقها مؤسسة التراث نموذجًا تنمويًا مستدامًا يمكن تطبيقه في مناطق أخرى تواجه صعوبات مماثلة. فالحفاظ على التراث الثقافي وتعزيز المشاركة المجتمعية قادران على معالجة تغير المناخ من خلال العمارة والتصميم العاميين. وتُمثل هذه الممارسات التي يمارسها الناس مباشرة حلًا عمليًا مستدامًا طويل الأمد، ووسيلة لتصميم مستقبل بديل أفضل والتخطيط له.

أُنجزت هياكل "لاري أوكتاجرين"، بتكليفٍ من متحف مطاحن الفن، لمعرض "منظر: الفن والعمارة من باكستان الأربعينيات إلى اليوم" (1 نوفمبر 2024 – 31 يناير 2025).

يمكنم الاطلّاع على المقابلات الواردة في هذا المقال عبر الرابط التالي:

المقابلات
an old building in brown stones

 

women working with clay

 

blue engraved tiles

 

women hand working with clay

 

clay blocks