يحاول الصُنّاع في قطر التعامل مع التوتر الحاصل بين استخدام المواد التقليدية وممارسات التصميم المعاصرة وتجاوزه، بتسليط الضوء على صمود المواد وإبرازها من خلال الحفاظ على الممارسات الثقافية والتفسيرات المتماشية معها. أدى التطور الذي شهدته قطر، منتقلةً من اقتصاد قائمٍ على الصيد والغوص على اللؤلؤ إلى قوة عالمية في قطاع الطاقة، إلى إحداث توترات استثنائية في مجال الإبداع.
فقد كان لاكتشاف الغاز الطبيعي الذي أنعش الاقتصاد القطري دور في إحداث فجوة غير مقصودة في إنتاج المواد. وبتطور المجتمع القطري في ظل عولمة البلاد، تولى الحرفيون عن الصنعة اليدوية التقليدية ووجهوا دفة اهتمامهم صوب اغتنام فرص ربحية أكثر. أدى هذا التغيير إلى بترٍ في سلسلة نقل المعارف الثقافية التقليدية بين حلقات الأجيال، تمخّض عنه فقد تدريجي للمهارات الحرفية التي كانت تتميز بها المنطقة.
علاوة على ذلك، فتحت الثروة المكتسبة بفضل الغاز الطبيعي الأبواب أمام عملية استيراد السلع الأجنبية، ما قلّص نسبة الاعتماد على المواد والمصنوعات الحرفية المحلية. وقد أحدث هذا التحول الثقافي قطعًا معتبرًا في ممارسات استخدام المواد في قطر منذ خمسينيات القرن الماضي حتى نهاية تسعينياته، إلى أن أُعيد إدراج التصميم في التعليم الرسمي.
عندما أُدخِل تعليم التصميم من جديد في قطر ضمن برامج جامعة فرجينيا كومنولث كلية فنون التصميم في قطر عام 1998، عاد استخدام المواد في أشكال بديلة إلى الظهور. ولم تتوقف استجابة قطر للحداثة والتفاعل معها عند مجرد التكيف السلبي مع التأثيرات العالمية، بل تميّزت بما يسميه الأخصائيون "الصمود الإبداعي"، وهو مفهوم يتخطى عتبة ديمومة التقاليد أو الحفاظ عليها؛ إذ يمثل عملية فعّالة يعيد من خلالها القطريون أو المقيمون في قطر من الفاعلين في المجال تصوّر الممارسات التاريخية لاستخدام المواد ضمن سياقات معاصرة. ومن منطلق مبدأ الصمود الإبداعي، تخضع التقنيات التقليدية والمواد المحليّة للتحويل وإعادة التأويل لتبقى متماشية مع النهج الثقافي في البلاد كأعمال حرفية، فضلًا عن حفظها كقطع فنية.
وقبل هذا الانتعاش الاقتصادي، كانت ممارسات استخدام المواد تتّسم بخاصيتيْن متمايزتيْن هما: قرب المواد من أفراد المجتمع، ومواجهة القيود التي تفرضها طبيعة البيئة على الأعمال التي تُبدَع. وكما أشار كلاوس فرديناند في دراسته الإثنوغرافيه التي نُشرت لاحقًا تحت عنوان "بدو قطر"، كان القطريون يعيشون في مستوطنات مؤقتة على الشريط الساحلي، أو رحالة يتنقلون بين قطر والسعودية[1]. ويجدر الذكر أن المناطق الداخلية في قطر نادرًا ما كانت تُقطن في الفترة التي سبقت المرحلة الصناعية. وعليه كان الصناع يستخدمون في مشغولاتهم المواد المتوفرة، مثل الحجر الجيري، والجبس، والأحجار المرجانية، وألياف النخيل، ووبر الجمال، وصوف الأغنام، والطين، واللؤلؤ.
بدت الاستدامة متأصلة بطبيعتها في الحرف القطرية، حيث كان الحرفيون يستغلون المواد المتاحة في كل إبداعاتهم، ما جعل هذه الممارسات ترسِّخ مبادئ الاستدامة من خلال المعرفة الدقيقة بالموارد المحلية والظروف البيئية، وهو ما نراه قد بقي حتى في العصور الأكثر حداثة مثل سنوات السبعينيات والثمانينيات، عندما كانت المواد الصناعية التي تخلفها العمليات النفطية تُستخدم في مجالات الحياة اليومية.
فعلى سبيل المثال، كانت الحاويات القصديرية المسترجعة من المنصات النفطية تُستغل في عمليات التخزين والبناء والتزيين، وكانت الأنابيب النفطية التي تُرمى تُستعمل كمواد لتجهيز عُدَّة الجمل. وفي هذا السياق، تطرّق كلاوس فرديناند في دراسته الإثنوغرافيه التي نُشرت لاحقًا تحت عنوان ""بدو قطر" إلى توثيق ثقافة استخدام المواد في المجتمع القطري؛ إذ لاحظ ممارسات أفراد القبائل القطرية الأصلية في التوظيف المتوازي للمواد المحلية والتقليدية في البلاد إلى جانب تلك الغربية المصنعة، وذلك منذ أربعينيات القرن العشرين. يكشف هذا الدمج في استخدام المواد البدائية والمواد الحديثة عن المراحل المبكرة للتحوّل الثقافي في المنطقة.
ومن أجل الإدراك التام لمفهوم "صمود المواد"، يجب أن نتناول نظرية الثقافة المادية الشاملة التي عرضتها إليانا بيرد وهوليا ياغجي أوغلو في مقالهما الموسوم "كل ما يتعلق بالجزيرة العربية"؛ حيث تؤكدان على فكرة أنّ الأشياء التقليدية تُوظّف كدلالات ثقافية مستقرة، يتجلّى من خلالها ترابط الشبكة التجارية والاجتماعية المعقدة[2]. وعليه فإنّ التركيز على دراسة مادية الأشياء يذلّل أمامنا سبل تقصي المعلومات الخاصة بالهويات القبلية، والتسلسل الهرمي الاجتماعي، والظروف البيئية، حيث تبدي الثقافة المادية كيف أصبحت بعض الأشياء ضرورية للمحافظة على الحياة في البيئة الصحراوية القاسية.
كان نمط حياة الترحال يتطلب أغراضًا عملية وقابلة للحمل، فكان يجب على حاويات الماء والخيم والأدوات المستخدمة أن تكون صالحة للاستعمال على المدى الطويل ولكن خفيفة الوزن في الوقت ذاته. دفع واقع توفير هذه المتطلبات العملية إلى تَولّد علاقات وطيدة بين صناع الأغراض والمواد المستخدمة، أي بين المجتمعات وحِرفها؛ ومن هنا مكّنت المعرفة الخاصة بإبداع هذه الأغراض الثقافةَ من البقاء رغم تحديات الظروف البيئية. شملت هذه الخبرة انتقاء المواد المناسبة، وفهم خصائصها، وتطوير تقنيات متخصصة لاستخدامها. كما حافظت المجتمعات البدوية على هويتها من خلال هذه الممارسات في توظيف المواد بينما كانت في محاولة مستمرة للتكيف مع الظروف المتغيرة.
تستند ممارسات استخدام المادة في قطر إلى الثقافة الشفهية التقليدية في المنطقة، ما يجعل دراستها تحديًا جوهريًا؛ فخلافًا للأماكن التي تتمتع بسجلات خطية غزيرة ، يعدّ التوثيق التاريخي للثقافة في منطقة الخليج محدودًا. وهذا ما يفسر سبب تحول التاريخ الشفهي إلى أداة توثيق مهمة في قطر، إذ تسد فجوة أساسية في تسجيل التاريخ. وبينما أكد الكثير من العلماء عمومًا أنّ السرديات الشفهية هي الرئيسة في تدوين التاريخ، أو ربما الوسيلة الوحيدة المعول عليها في دراسة تاريخ المنطقة، أوّد أن أعقّب على هذا الرأي وأقول إن دراسات الثقافة المادية تسمح لنا بضبط الثقافات ضمن سياقها بالوصول إلى المصادر التي بين أيديهم. وبالتالي، يمكن لقطعة ما أن تزودنا بدلائل تاريخية قيّمة لم تكن قد استُغلّت كفاية في دراسات منطقة الخليج. وبفحص الأبحاث التي أُجريت حول المواد، يمكننا استنباط معلومات وافرة عن البنيات الاجتماعية، ومظاهر التكيّف البيئي، والقيم الثقافية، حيث يمكن لهذه القطع الفنية المادية أن تجسّد لنا رؤى ملموسة إذا ما وُضعت تحت مجهر الدراسة بالموازاة مع السرديات التاريخية، وهو ما يقدّم فهمًا أشمل لماضي قطر.
ورغم الجهود الحثيثة المبذولة سعيًا للحفاظ على المواد وتقنيات الحرف اليدوية التقليدية، يظل المصممون في قطر يكابدون تحدٍّ معيق لهم، ألا وهو غياب إمكانية الوصول إلى المواد المحلية والإنتاج الحرفي. وبصفتي مصممًّا، يمكنني أن أؤكّد أن هذه التحديات حقيقَة، إذ يكاد يكون من المستحيل لحرفي بارع في الصنعة إيجاد مادة متاحة طوال السنة. مع ذلك، تمكّن العديد من الصناع المقيمين في قطر من استكشاف المواد المستخدمة من المشهد الطبيعي الشاسع في قطر، على غرار الدكتورة ألكسندرين غيران، ويوسف أحمد، وندى الخراشي، وشيخة السليطي، وأسماء درويش، وغيرهم الكثير ممن استكشفوا استخدام مواد من بيئة قطر الطبيعية الواسعة. وللحديث عن تجربتي في هذا السياق، سأركز على مشروعيْن خاصيْن كانا جزءًا من رحلتي في عالم البحث بين ثنايا الثقافة المادية.
شاركتُ عام 2022 في برنامجيْ إقامة من البرامج التي تحدِث نقلة نوعية في مسيرة الفنان في قطر، الإقامة الفنية 7، مطافئ: مقر الفنانين؛ والإقامة الفنية في كارافان إيرث ومزرعة حينة سالمة. وبما أنّ الإقامتيْن بُرمِجتا بالتزامن، فقد كنت متحمسًا لإيجاد رابط مشترك بينهما رغم أنهما جاءتا في صيغتيْن مختلفتيْن. وخلال هذه الفترة، كنت مهتما بقصص جدتي المروية حول المواد الوافرة التي تزخر بها أرض قطر وكيف صوّرت قطر كمكان غني بطبقات الطين، وحقول العشب، ومنتجات الماشية الكثيرة. بيْد أنّ التباين الصارخ بين وصف جدتي الحي لقطر والمشهد الحضري السائد اليوم أثار فضولي، وحفزني هذا الشرخ بين الماضي والحاضر للبحث عن المواد المحلية التي بقيت في قطر ولكنها استُبعدت في ممارسات التصميم المعاصرة. ثم قادني هذا المشروع إلى إعادة اكتشاف مادتيْن أساسيتيْن شكلتا جزءًا من منظر قطر الطبيعي لمدة قرون، إلّا أنهما نادرًا ما تُستخدمان في السياقات الحديثة، وهما الحجر الجيري والطين.
خلال إقامتي لمدة تسعة أشهر في مطافئ: مقر الفنانين، أجريت بحثًا معمقًا حول الحجر الجيري المحلي المتروك، ووجدت أن رغم وفرة هذه المادة في المناظر الطبيعية في قطر، غالبا ما تُستبعد ولا تُقدَّر قيمتها على النحو المطلوب في ممارسات البناء المعاصرة. أما بحثي، فقد ركّز بالأساس على هذا الحجر الأصلي في البلاد بدراسة خصائصه المادية وأهميته الثقافية على حد سواء. وأثناء هذه الفترة المخصصة للدراسة، استقيت إبداعي من النقوش الصخرية البالغ عددها 900 قطعة والمتناثرة على طول الشريط الساحلي لقطر. وما شدّ انتباهي في موضوع النقوش الصخرية لم يكن الأدوات المستخدمة، المتمثلة في مطرقة وأداة شبيهة بالإزميل الحديث، ولا حتى المادة أو تقنية النقش في حد ذاتها، بل التقاطع المذهل الذي شُكّلت فيه النقوش. فقد كانت هذه الأخيرة أكثر من مجرد تمثيلات بصرية للمنظر الطبيعي، هي محطات تَوقّف تُوجّه المسافرين على طول الشريط الساحلي مع إشارات بسيطة لتوضيح الطريق لهم.
تَمثَّل هدف المشروع في إعادة صياغة فهمنا للحجر الجيري من خلال الاستكشاف الجدّي لهذه المادة في مطافئ مقرّ الفنانين. وبالدراسة المباشرة لها عن طريق اختبار قدراتها البنيوية، ومميزات سطحها، وخصائصها التجميلية، أردت أن أكشف جمال وسهولة توظيف هذه المادة التي غالبا ما تُستبعد في الاستخدامات. وتجسّدت ثمرة الإقامة الفنية التي استفدت منها في عمل تركيبي فني بعنوان "الحجر الجيري"، تضمّن صخورًا منقوشة مغطاة بالأعشاب في صورة توحي بالمناظر الطبيعية لجزيرة تايلاند، وتأتي على شكل قطع منحوتة تُوجّه الزوار داخل فضاء العرض وتذكّر بتقنية نقش الصخور القديمة والتي تكاد تُنسى.
خلال إقامتي الفنية في مزرعة حينة سالمة، ركزتُ على دراسة الطين الطبيعي تحت إشراف الدكتورة ألكسندرين غيران، التي ساعدتني في تحديد أماكن تراكمه وزودتني بمعلومات حول الخصائص الجيولوجية لمكونات التربة في قطر. تجدر الإشارة هنا إلى أنه خلافًا لما جاء في قصص جدتي، فإنّ الترسبات الطينية نادرة نسبيًا في قطر، وهي حقيقة تعزى إلى الظروف البيئية الخاصة واللازمة لتكّون الطين في المناخات القاحلة.
إنّ هذا البحث الموثّق في عملي المنشور بعنوان "الطين الطبيعي في قطر" هو دراسة شاملة وثَّقت فيه المنهجيات المتّبعة والنتائج المتحصل عليها لهذا المورد الذي لم توليه الأبحاث اهتماما كافيًا. وبالتطرق إلى ما هو أبعد من مجالات استخدام الطين في صناعة الفخار، أجريت بحوثًا ميدانية موسّعة بهدف تحديد هذه الترسبات المحدودة في الطبيعة القطرية وتوثيقها. تقوم منهجية بحثي على التجربة المادية الدقيقة التي تبيّن التحديات المعقدة للعمل بالطين الطبيعي. كما وثّقت العمليات المعقدة لجمع هذه المادة وتجهيزها وتهيئتها. ومن بين أهم العناصر التي ضمتها الدراسة، تطوير تقنيات مزج متخصصة لتطويع الطين، وتعزيز مرونة تشكيله، والتمكن من تكييفه مع مختلف التطبيقات خارج نطاق الاستخدامات التقليدية في مجال الخزف. أسفر البحث عن عمليْن مهميْن[3] تمثل أحدهما في منشور شامل بعنوان: الطين الطبيعي في قطر"، وتمثّل الآخر في مجموعة أوعية تجريبية تُظهر إمكانية الاستخدام المتعدد للمادة وجماليتها.
وبالتقدّم بخطى على درب مسعى قطر لتخليد ماضيها واحتضان الابتكار، يملي علينا صمود المادة عدم ترجيح أي كفة في ميزان التقاليد والحداثة، وبالمقابل، يمكننا إنشاء روابط هادفة بينهما. فمن خلال إعادة اكتشاف المواد التي استخدمها أجدادنا، وشق سبل نحو آفاق جديدة في العمل بها، يمكن للصنّاع في المجال إبداع أعمال ترمي إلى تقدير التراث وتلبية احتياجات اليوم على حد سواء. ولعل هذا خير دليل على أنّ أهمية معرفة المواد لا تنحصر في الحفاظ على الماضي، بل يمكن أن توقد جذوة الإلهام لإبداع عمل جديد يمضي قدمًا بهويتنا الثقافية. بيّنا في هذه الدراسات التي تناولت المادة أنّ هوية قطر يمكنها أن تكون متجذرة في التقاليد وكذا متطلعة نحو المستقبل على القدر ذاته.



