يحلّ محمد، ذي التسعة عشر عامًا، قفل باب ناديه للتلفاز، كما يُسميه؛ مرتديًا قميصًا وبنطالًا باللون الرملي، ويخبرنا أن فيلمه المفضّل هو: الكثيب (Dune)، الجزء الثاني". أما عن مكان هذا النادي، فهو في مخيم فرشانا المؤقت للاجئين، شرقي جمهورية التشاد.
ويشغل مخيّم فرشانا حيّزًا على مساحة مفتوحة قاحلة، تطوّقها من الخلف هضاب منخفضة مع أشجار متناثرة، وتغطّي الأرض رمال تميل بلونها إلى الحُمرة. تنتصب مخيّمات اللجوء على خطوطٍ مستقيمة، تُطوقها أسوار عشبية للحفاظ على خصوصية السُكّان. حيث لجأ بعض السكّان إلى توسيع مساحات خيّامهم أو بناء مطابخ باستخدام طوب مصنوع من الطين المحلّي. في هذه الأثناء؛ يرتع حصان خارج إحدى الملاجئ، بالتزامن مع مرور مجموعة من النسوة اللاتي يحملن فؤوسًا على أكتافهنّ، متجهين صوب الهضاب ليجمعن الحطب، في وقت تصل فيه درجة الحرارة إلى ما يقارب 40 درجة مئوية.
يأخذ محمّد موّلدًا كهربائيًا من ملجأه؛ ويجرّه على الرمال، ثم يختفي لبرهة في الداخل، ويرجع بعدها حاملًا وصلات التمديد ليتمكّن من إبعاد الموّلد بشكل كافٍ حتى لا يطغى صوت ضجيجه على صوت التلفاز. يتحّقق من مستوى الوقود ثم يشدّه بقوة لتشغيله، وخلال ثواني؛ يظهر الأطفال من بين الأسوار، لأنهم يعرفون ماذا يعنيه هذا الصوت؛ إنها ليلة الأفلام! يعجّ الملجأ بالأطفال الجالسين على حصير بلاستيكي أمام شاشات التلفاز المثبتة على مساند خشبية، ولا يعمل من الشاشات الأربع؛ سوى اثنتين. يُقلّب محمد بين القنوات التلفزيونية إلى أن يعثر على مشهد من فيلم لدبٍ قُطبي يحادث فتاة صغيرة. وبينما يتابع الجميع بهدوء، يظهر أزيز الموّلد الكهربائي خافتًا في الخلفية.
أنشأ محمد نادي التلفاز بعد أن اشترى أبوه شاشة تلفزيونية من السوق في التشاد، ويأتي الناس لمشاهدة الأفلام والبرامج الرياضية مقابل 30 ريالًا (قرابة الخمس سنتات) ، تُدفع لتغطية تكاليف الوقود، وتشّكل مصدر دخل بسيط لمحمد. يفتح محمد أبواب النادي متى ما كان هناك طلب من الجمهور لعرض أفلام من هوليود وبوليود والصين وتركيا، أو مباريات كرة قدم لنوادٍ أوروبية. وبالحديث عن كرة القدم، فالفريقين الأحب إلى قلب محمد هما ريال مدريد وبرشلونة، ويستطرد قائلًا: "نُشاهد أنا وأصدقائي كافة المباريات الأوروبية، وأحيانًا نُشجع فرقًا متنافسة لإضفاء المزيد من الحماس!"
في الخارج، يجلس محمد مستظلًا تحت طبقيّن من الأقمار الصناعية المثبّتة على مساند حديدية. ينضم إليه صديقه المقرّب البالغ من العمر سبعة عشر عامًا، يعيش هذا الشاب بمفرده في مخيّم قريب ويعرج قليلًا أثناء مشيه. يروي لنا: "أُصبت بعيارٍ ناري في قدمي أثناء هروبي من السودان في الصيف الماضي، ولم تتعاف تمامًا بعد!" قُتلت والدته أثناء هروبهم من السودان، أما والده فقُتل قبلها بسنوات عدة. لا توجد مدرسة داخل المخيّم، لذا، يمضي الصديقان معظم الوقت سويًا في المخيم! وبعد برهة، نهضا وانضما إلى الجمع الذي يشاهد في الداخل.
أزمة تتعدى الشاشات
تتكشّف قصص تُشبه حكاية محمد يوميًا في شتى أرجاء شرقي التشاد، فمنذ تأزّم الصراع في السودان في أبريل 2023، نزح أكثر من 850 ألف لاجئ إليها، لتصير بذلك أكبر مستضيف للاجئين السودانيين في المنطقة. حيث عبرت أحياءٌ بأكملها الحدود بحثًا عن الأمان، واستقر العديد منهم لاحقًا في مخيمات لجوء مماثلة لمخيم فرشانا.
في منتصف عام 2025، هُجّر حوالي نصف مليون شخص من أماكنهم إلى مواقع مخصّصة أو إلى قرى الإيواء، بينما يستمر عشرات الآلاف من النازحين بالوصول إلى التشاد شهريًا. ومع ذلك، لا تزال نصف الأسر اللاجئة تفتقر إلى مأوى مناسب، كما يصعب الوصول إلى ماء نظيف، إذ ينخفض نصيب الفرد اليومي في بعض المناطق إلى ما يُقارب عشرة لترات، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب للطوارئ.
وقد دعت وكالات الغوث الإنسانية إلى تخصيص أكثر من 550 مليون دولار أمريكي لتلبية الاحتياجات العاجلة للاجئين في تشاد، بما في ذلك المأوى والغذاء والمياه والصرف الصحي، في ظل عدم ظهور أي مؤشر على تخفيف حدة الصراع في السودان. وتصمّم منظمةBetter Shelter هياكل نموذجية معدة لمناطق النزاعات والكوارث في جميع أنحاء العالم. واستجابة للأزمة في السودان، توفّر أكثر من 3000 مأوى لحماية اللاجئين والنازحين السودانيين في كل من السودان وتشاد.
فاصل بعيدًا عن اللجوء
في حياة النزوح، يبدأ الإبداع حيث تنتهي الأنظمة الرسمية. فموّلِدٌ كهربائي وحصيرٌ بسيط وبضع شاشات تلفاز؛ يتحولون إلى سينما، ملتقى صغير يمنح الناس فاصلًا قصيرًا يبتعدون فيه عن واقعهم المأساويّ.
تُظهر دراسات صادرة عن اليونسكو والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن إتاحة الفنون والثقافة في أوقات الأزمات يُعزّز من القدرة على الصمود، ويُعيد للإنسان الإحساس بكرامته، ويقوّي الروابط المجتمعية. وتُذكّرنا سينما محمد بأن الإبداع لا يقلّ ضرورة عن المأوى والطعام في خضم النضال من أجل البقاء.
وفي شتى أنحاء العالم، يعيد الناس توظيف الهياكل النموذجية التي تصمّمها منظمة Better Shelter لتتجاوز نطاق استخداماتها الأولى، فغدت منازل وعيادات ومدارس وغرف ولادة وصالونات حلاقة وصالات رياضية.
في أحد المخيمات، تحوّل المأوى إلى مساحةٍ مهيأة للأطفال تزيّن رسوماتهم جوانبها، وفي آخر اكتسى بالأقمشة الوردية الشّفافة والوسائد على شكل قلب، والدُّمى المحشوة على هيئة دببة، احتفاءً بعُرس.
كلّ نسخة من هذه الهياكل تروي حكايةً عن الحاجة التي هي أم الاختراع: فالمأوى الذي صُمّم بغرض الحماية، يتحوّل إلى مساحةٍ للحياة وللحبّ.
تأتي هذه القصة ضمن مشروع تصوير فوتوغرافي بعنوان " ما الذي يمنح المكان دفء البيت؟" (What Makes a Home) التابع لمنظمة Better Shelter
للمزيد من المعلومات، يُرجى زيارة الموقع الإلكتروني: www.whatmakesahome.org .




