شهد عام 1993 ذروة حصار سراييفو، وجراء القتال المحتدم على الجبهات، تشتّت شمل عائلتنا. فوالدي الذي عمَل شرطيًا وكان ضابطًا رفيع المستوى في وحدة مكافحة الإرهاب بوزارة الداخلية في جمهورية البوسنة والهرسك، آنذاك، كان يُستدعى باستمرار للمهام الميدانية. فيما علِقت عائلة والدتي داخل مناطق الجيوب المحاصرة في بوسنة الشرقية.
في حقبة ما قبل الإنترنت، كان الاتصال متقطّعًا ومحدودًا للغاية، ففي أحسن الأحوال، كانت تصلنا رسائل مكتوبة بخط اليد تُحمل عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو محادثات من خلال أجهزة الراديو اللاسلكي حينما تسمح الظروف. عشت مع أمي وأختي كلاجئين لفترة وجيزة في إيطاليا، قبل أن نعود إلى المدينة المحاصرة. آنذاك؛ كانت الحكومة البوسنية قد حفرت النفق الشهير حاليًا أسفل مطار سراييفو، وهو عبارة عن ممر ضيّق شُقّ يدويًا لتخفيف وطأة الحصار على المدنيين وقوات الدفاع.
من بين الرسائل التي تلقيناها، كانت هناك مجموعة من البطاقات البريدية من المدينة. أول بطاقة وقعت عليها عيناي حملت إعلانًا معاد تصميمه لشعار "استمتع بكوكاكولا"؛ حيث استبدل المصممون اسم العلامة التجارية بكلمة "سراييفو"، مع الإبقاء على لوحة الألوان الحمراء والبيضاء والخط المميّز ذاته. كنت آنذاك في الثالثة عشرة من عمري تقريبًا، ولم أكن قد أدركت بعد معنى إعادة التصميم كتصريح فني. غير أنّ نشأتي وسط مزيج بارع من الثقافة الشعبية الغربية والقيم الاشتراكية، إلى جانب تعلّمي اللغة الإنجليزية في الأساس عبر قناة "إم تي في"، مكّنتني من التقاط الإيحاءات البصرية على الفور: لافتة هوليوود، ومارلين مونرو، والعم سام، وسوبرمان، وعلب حساء وارهول كامبل.
كان وقعها مباشرًا وعميقًا؛ لم تكن هذه البطاقات البريدية مجرد محاولات إبداعية، فأن تكون لاجئًا يعني أن تُقتلع من جذورك وغالبًا أن تُجرد من إنسانيتك؛ لقد ساعدتني تلك الصور على استعادة صلتي بهويتي الأوروبية، وبالهوية العالمية الأوسع التي لطالما انتميت إليها. وفي لمحة مفاجئة، عاد إليّ من جديد إحساس أنني مواطن لهذا العالم.
تعود هذه الأعمال إلى "تريو"، الثنائي المختص في التصميم من سراييفو، داليدا وبويان هادزيهاليلوفيتش اللذان تخرّجا من أكاديمية الفنون الجميلة في سراييفو عام 1989. وعملا في مجالات التصميم الجرافيكي، والاتصال البصري، والرسوم المتحركة والإعلانات التلفزيونية والنشر؛ قبل اندلاع الحرب، ونالا جوائزًا عديدة. ومع بدء الحصار، استخدما وسائل متعددة لابتكار سلسلة من الملصقات يدويًا، والتي تحوّلت فيما بعد إلى مشروع "بطاقات بريدية من سراييفو"، لتغدو شهادة ثقافية من قلب المدينة المحاصرة.
كما أشار الكاتب البوسني الأمريكي ألكسندر هيمون1:
" لم يقتصر حال أولئك الناس المحاصرين داخل المدينة على مواجهة المعاناة والموت فحسب، بل عاشوا أيضًا وفكّروا وأحبّوا وعزفوا الموسيقى، وسعوا جاهدين لإعادة المدينة إلى مكانتها المستحقة في العالم، ذلك العالم الذي تخلّى عنها بكل استهتار. كان التحدّي بالنسبة لهم يكمن في كيفية سد الفجوتين، وكيفية إعادة وصل ما لم يكن ينبغي أن ينفصل أصلًا، وكيفية جعل العالم يواجه حقيقة أن سراييفو كانت بالفعل في مركز وقلب العالم. وقد واجه فريق التصميم "تريو" هذا التحدي بطريقة استثنائية؛ إذ أعادوا تصميم الصور، وغيروا تسمية العلامات التجارية، وأعادوا تشكيل الواقع الخارجي، ليبدعوا بطاقاتهم البريدية التي تثبت أن سراييفو لم تفارق العالم قط، بل كان العالم هو من غادرها."
وفي الوقت الذي كان فريق "تريو" يوجه رسائله إلى العالم الخارجي، وجدت أعمالهم صدى عميقًا لدى مراهق لاجئ من سراييفو في إيطاليا. وبعد نحو ثلاثة عقود، قابلت في الدوحة الفنان والمصور الصحفي الفلسطيني بلال خالد، الذي انتقل من فن الخط إلى التصوير في زمن الحرب. كان قد مضى عام منذ بدء العدوان الإسرائيلي العنيف على غزة. وكنت قد ألفتُ صوره قبل أن ألتقيه، غير أن رؤية الوجه وراء العمل تمنح المعنى ثقلًا وسياقًا لا غنى عنه.
وبينما كنّا نتصفّح آلاف الصور الموثّقة لمشاهد الدمار والعنف المروّع المسلَّط على المدنيين، استوقفتني لقطات لبلال وهو يرسم على الجدران فوق أنقاض غزة، تحيط به الذخائر غير المنفجرة والجدران التي ما زالت صامدة وسط الخراب. بدا وكأنّه حوّل تلك الأنقاض إلى لوحات فنية يخطّ عليها الرسوم والكلمات. وفي تلك اللحظة عاد إليّ ذلك الإحساس الغامض نفسه الذي شعرت به عام 1993.
اختلف حاجز اللغة هذه المرة، إذ كانت كتابات بلال تكاد تكون كلّها بالعربية، وهي لغة لم أكن أجيدها. غير أنّ ذلك الحاجز سرعان ما تلاشى أمام التناقض الصارخ بين الخط الدقيق البديع النقي وسط فوضى الدمار الشامل؛ حروف بلال بدت وكأنها تُنظم شتات عالمٍ مدمَّر وتعيد بناءه. أن تجلس قبالة شخص يشاركك تجربة اللجوء، ويملك القدرة على تحويل ركام الحرب إلى رسائل صمود وجمال، فذلك يمنحك لحظة نادرة من التجربة المشتركة.
وجد بلال في نفسه القوة ليبدع ويصوغ الجمال بوصفه فعل مقاومة، في تلك اللحظات الخاطفة التي تفصل بين عدسته وهي توثّق الأجساد الممزقة بفعل القصف، وبين محاولاته المستمرة للنجاة من الهجمات التالية.
ولم يهم أنني لم أتمكن من قراءة خطه العربي، فقد أعادتني خطوطه المتقنة على الجدران المهدّمة وأنقاض الهياكل الحديدية المثنية بالذاكرة إلى سراييفو. وما إن أدركت أنّ السقف المنهار لذلك البيت المقصوف يحمل عبارة: "الصحافة ليست جريمة"، ورأيت على بقايا القذيفة أبياتًا خطّها بلال من كلمات الشاعر الفلسطيني سميح قاسم:
" يموت منا الطفل والشيخ
ولا يستسلم
وتنهار الأم على أبنائها القتلى
ولا تستسلم."
حتى وجدت نفسي أعود مجددًا ذاك الفتى اللاجئ المراهق الذي يضم بين يديه بطاقات "تريو" البريدية، شاعرًا بأنني أنتمي إلى عالم مهشّم مرة أخرى.
بلال خالد
كبرت كفنّان ولاجئ في مخيّم خان يونس، حيث شكّلتني الجدران المحيطة بي، تلك المغطاة برسومات جدارية تندّد بالاحتلال، وتحمل رسائل الأمل والمقاومة وحق العودة. غرست تلك الصور القديمة في داخلي حبًا عميقًا للفن، كبر هذا الحب ليصير وسيلتي في المقاومة وإعادة بناء حياتي من تحت الأنقاض.
في غزّة، الأرض التي عُرفت على مرّ التاريخ بتحمّلها لويلات الحروب، عثرت على مصدر إلهامي في قلب الخراب؛ فصار الحطام والأسطح الرمادية والصمت الذي يعقب القصف هو اللوحات التي أرسم عليها.
رسمت على الجدران المكسّرة وعلى بقايا القذائف الصاروخية والأطراف الصناعية.
كل ضربة ريشة هي فعل تحدٍ وولادة جديدة.
وكثيرًا كان الأطفال يشاركونني في هذا الإبداع، فتحويل الألم إلى فعل مشاركة، هو نوع من أنواع العلاج النفسي وطريقة تساعدهم على اجتثاث شظايا البهجة من أنياب هذه الفوضى.
إن مسألة التصميم تحت الحصار لا تتعلق بالنواحي الجمالية وحسب؛ بل بالبقاء على قيد الحياة والقدرة على الابتكار وبالإرادة الإنسانية التي تخلق الجمال من رحم الظروف الحالكة.
في نهاية المطاف، يصبح الفن شاهدًا، ودليلًا يثبت أنه، حتى لو دُمّر كل ما حولنا؛ لا يمكن لروح الإبداع فينا أن تُقصف.




