في عام 1993، وأثناء حرب البوسنة، لم يكن أمام عائلة بربيتش سوى الفرار من دفء منزلها في سراييفو. فعقب نزوحهم من البوسنة ضمن قافلة إنسانية وإقامتهم لفترة مؤقتة في كرواتيا، وصلوا إلى مخيم للاجئين في نيسبيهفود-بروبي، الدنمارك (الشكل 1). وفور وصولهم، أثار علم الصليب الأحمر الذي يرفرف فوق المخيم مشاعر متناقضة لدى المصمم الغرافيكي عصمت بربيتش (الشكل 2). فعلى الرغم من أنه ظل دومًا يمثل الوصول إلى بر الأمان والسلام، إلا أنه أصبح بالنسبة لعصمت شاهدًا على العجز والضعف. فقد صمم عصمت، الذي شغل منصب مدير فني في البوسنة، العديد من الحملات الدعائية على امتداد مسيرته المهنية، جامعًا بين المفاهيم والرموز لصياغة هوية متكاملة. إلا أن قراءته لشعار الصليب الأحمر كانت ذات بعد شخصي عميق، متأثرة بتجربته كلاجئ، حين فرّ مع أسرته من موطنهم إلى مستقبل مجهول. فبمجرد وصولهم، جُرّد عصمت ورفاقه اللاجئين من العديد من العناصر الأساسية التي تشكل هويتهم – المنزل والعمل والمجتمع - ليصبحوا مجرد أرقام بلا أسماء. هذا الواقع الصادم دفع عصمت إلى ابتكار هوية خاصة بمخيمه، ليعلن من خلالها عن وجوده ووجود مجتمعه الجديد، مستعينًا بالأداة التي أتقنها جيدًا ألا وهي: التصميم.
كان التصميم بالنسبة لعصمت، ولا يزال، يمثل أفقه الأوسع في الحياة؛ فقد كان عمله جزءًا من هويته، ووسيلة صادقة للتعبير عن ذاته. وفي الوقت نفسه، وفر التصميم إطارًا ينظم حياته كلاجئ. فمنذ أن وطئت قدماه الدنمارك مرتديًا قميصًا ناصع البياض وربطة عنق، مرورًا بمشاركته مع زوجته هيكا في تأسيس مدرسة للأطفال داخل المخيم، كان التصميم ينسج خيوط حياته اليومية. وهكذا، أصبح التصميم أداة للتمكين والتنظيم وإثبات الذات.
أطلق عصمت على المخيم اسم " الصحراء الكبرى"، مستلهمًا من الأرض الرملية التي شُيّدت عليها الخيام، ومن شعور الاغتراب الذي يرافق تجربة اللجوء. كما حمل الاسم ايضًا بعدًا ساخرًا، إذ أشار إلى صحراء بعيدة كل البعد عن بساطة قرية دنماركية صغيرة. لقد صمّم عصمت نظام هوية بصري متكامل، تمحور حول شعار يُظهر شمسًا تشرق خلف ثلاثة أهرامات (شكل 3). وتجلت مفارقة مخيم الصحراء بوضوح في تصميمه لإعلان ساخر يصوّر عائلة تغادر تلك الأهرامات نحو حقل أخضر تحت سماء زرقاء وغيوم بيضاء (شكل 4). ومع ذلك، لم يكن عمله مجرد مزحة؛ فقد صمّم لوحات للأسماء ليمكن كل فرد من استعادة هويته، ووضع علامة على كل خيمة، وأعدّ لافتة جديدة تُعرّف المخيم باسم " الصحراء الكبرى". كما اعتمدت إدارة المخيم الاسم رسميًا في وثائقها. امتد أثر هذا العمل إلى ما هو أبعد من حدود المخيم، إذ نشرت إحدى الصحف المحلية مقالًا بعنوان "واحة في قرية"، واصفة المشروع بأنه "باعث على الامل والإلهام "، لتقدم بذلك صورة إيجابية عن عمله وعائلته، بعيدة عن تلك الصور النمطية التي غالبًا ما تصوّر اللاجئين على أنهم ناكرون للجميل ومتطلّبون (شكل 5). لقد شكَّل التصميم لعصمت فعلًا اجتماعيًا: بالنسبة له، ولأسرته، ولخدمة مجتمعه الجديد.
ظل مخيم الصحراء الكبرى حاضرًا في ذاكرة العائلة أكثر من وجوده على أرض الواقع بهويته ومواده البصرية، ومتجسدًا في حكايات أفراد الأسرة ولقطات الفيديو المنزلية والمقالات الصحفية. وعلى عكس الشعارات المصممة لتدوم، كان شعار المخيم يخدم غرضًا محددًا في زمن ومكان معين؛ إذ كان في جوهره أقرب إلى مبادرة عابرة لدعم المجتمع في تلك اللحظة الحرجة. لكن مع مرور السنين، عاد الشعار إلى الواجهة مجددًا. فبعد مرور عقدين من تجربة العيش هناك، قام امير بربيتش - مصمم الغرافيك ونجل عصمت - بزيارة الموقع السابق للمخيم بعد أن كبر، ليعيد نسج ذلك الإرث العائلي، موسعًا مداه في إطار مشروع أطلق عليه اسم "مخيم الصحراء الكبرى: تجليات الذاكرة".
يكشف مشروع "مخيم الصحراء الكبرى: تجليات الذاكرة" قدرة التصميم الغرافيكي على فتح آفاق جديدة لفهم العالم والتفاعل معه، مؤكدًا دور هذا المجال في تجسيد المفاهيم والأفكار والذكريات. إذ يوثق مشروع أمير العمل الهام الذي قام به والده عصمت ويعيد سرد تجربة العائلة كلاجئين من منظور جديد، بينما يدمج ذكريات طفولته كلاجئ في المخيم مع سلسلة من التصاميم التخيّلية. تشمل هذه الأعمال ملصقات تروي فعاليات وأنشطة أقيمت في المخيم، وتصاميم لأغلفة كتب مدرسية تذكّر بالمدرسة التي أسسها والداه، مع مزج بين الذكريات القريبة والبعيدة وظلال من الواقع الحاضر. أما الشعار الجديد، فكان بمثابة تكريم لعمل عصمت الأصلي. حيث استثمر أمير التصميم كأداة لمعالجة تجاربه، وتجسيد ذكريات عائلته.
تقدم الأعمال الإبداعية التي توثق حياة اللاجئين لمحات عن عالم عابر وسريع الزوال. بعد سنوات من مغادرتهم مخيم الصحراء متجهين إلى شيكاغو، عاد أفراد عائلة بربيتش لزيارة موقع موطنهم السابق. وفي عام 2002، عاد عصمت وهيكا ليكتشفا أن منشأة طبية للأطفال قد حملت اسم المخيم (شكل 6). وعندما توجّه إسحاق مجددًا إلى هناك، وجد حقلًا خاليًا بلا أي أثر للرمال أو العربات التي شكّلت المخيم، فوثّق الموقع في سلسلة صور تُظهر فضاءً مفتوحًا لا يحمل أي مؤشر على الحياة الزاخرة التي عاشها اللاجئون هناك (شكل 7). وفي عام 2018، عاد أمير ومعه الشعار الذي أعاد تخيله لـ "مخيم الصحراء الكبرى"، ليجد حيًّا سكنيًا حديث الطراز، كان شارعه الرئيسي يحمل اسم "ساندغراف فيج" 1وخمّن أنه ربما يحمل صلة ما بتاريخ المخيم. وفي إيماءة رمزية، علّق أوراقًا صفراء تحمل اسم وشعار المخيم على أعمدة الإنارة في الحي (شكل 8)، فمرت سيدة مع كلبها وسألته عن معنى تلك الأوراق، غير مدركة لتاريخ المكان الذي كان يومًا ما ملاذًا للاجئين.
تُمثل تجربة عائلة بربيتش في مخيم الصحراء وفي شيكاغو قصة واحدة فقط من بين ملايين قصص اللاجئين، إذ تختلف التجارب باختلاف الظروف الاجتماعية والسياسية، وإرادة الدول والمنظمات الإنسانية في تقديم الدعم. فقد قدّم الصليب الأحمر والمجلس الدنماركي للاجئين الدعم والحماية لعائلة بربيتش، ما أتاح لهم فرصة للبناء والإبداع. كما كان للمدير التنفيذي للمخيم كاي كيركيبي دور محوري في تنظيم شؤون المدرسة، وظلت تربطه هو وأسرته صداقته متينة مع عائلة بربيتش. يقدّم عمل عصمت في مخيم الصحراء الكبرى مثالًا حيًا على أن التصميم ليس مجرد حل وظيفي، بل هو وسيلة لديها القدرة على الاستجابة للاحتياجات العاطفية للاجئين. فكما يلبّي الطعام والماء والمأوى الاحتياجات الأساسية، لبّى التصميم في المخيم حاجة أخرى ألا وهي: الإحساس بالكرامة - للأفراد والمجتمع على حد سواء. إذ يبرهن مخيم الصحراء على ما يمكن أن يقدمه لاجئ واحد لأقرانه اللاجئين. فالتصميم قادر على التمكين والبناء وتشكيل الهوية؛ فهو وسيلة لتشجيع الحوار وإطلاق العنان للخيال، وأداة للتعبير عن الذات. لقد امتد أثر تصميم عصمت ليتجاوز اللحظة الزمنية التي أُبدِع فيها، وجاءت أعمال أمير لتشهد على جهود والده، وتروي الطريقة التي شكّل بها المخيم تجربة عائلته، مؤكدة القوة المتعددة الأبعاد للتصميم. وبفضل تصاميم عمله الفني "تجليات الذاكرة"، يظل إرث مخيم الصحراء الكبرى حيًا ومستمرًّا.




