اجتمعت في أكتوبر 2019 عشر نساء حول طاولة في مطعم عراقي بمدينة أوستن، في ولاية تكساس. كنا غريبات جمعنا منشور على منصة انستغرام في دعوة لتشارك الطعام، والاستماع لقصصنا، وتذوّق أكل المطاعم التي تمتلكها الأقليات في المدينة. ثم تطور لقاء هذا العشاء الواحد إلى "نادي طعام الفتيات العالمي"، الذي كان يُعرف قبلها بتسمية "نادي طعام الفتيات ذوات البشرة السمراء"، وأضحى اليوم مجتمعًا يمتد عبر القارات، بتنسيق عن طريق مجموعات واتساب، وقصص انستغرام، وشاشات زوم، ومع ذلك لا يزال قائمًا فعليًا من خلال مشاركة وجبة حضوريًا. كان هذا الفضاء الهجين الذي تدعم فيه الهيكلة الرقمية التلاقي الحقيقي، هو ما دلني إلى المكان الرابع؛ تصنيف جديد للفضاء المجتمعي، جوهري للتحلي بالمرونة في الشتات في القرن الحادي والعشرين.
لطالما عرَّفت نظرية راي أولدنبرغ، "الأماكن الثالثة": المقاهي ومحلات الحلاقة والمراكز المجتمعية المتواجدة خارج البيت والعمل، طريقة فهمنا للهيكل الاجتماعي. بيْد أن هذا المفهوم لوحده لم يعد كافيًا بالنسبة للمجتمعات المهاجرة والمشتتة التي تواجه النزوح وتجديد الأحياء والعصر الرقمي. وهنا يأتي المكان الرابع لينشط في الفضاء الوسيط بين الشاشة والشارع، مستفيدًا من الشبكات الرقمية لترتيب لقاءات فعلية ما كانت لتكون ممكنة دونه. وهو بالتحديد عنوان للمرونة لأنه يرفض الاختيار بين البعديْن الافتراضي والغريزي، ويصر بالمقابل على كونهما ضرورييْن معًا للبقاء.
بنية الغياب
تعتمد الأماكن الثالثة التقليدية على القرب والألفة، حيث يرتاد الفرد المقهى ذاته، ويرى الوجوه نفسها، ويبني بذلك مجتمعه من خلال التكرار والعادة. ولكن ما الذي يحدث عندما يتفرق أعضاء مجتمعك في مناطق زمنية مختلفة؟ أو عندما يغلق ذاك المطعم الذي كان يومًا ما دعامةً لحيِّك لأنّ خدمات توصيل التطبيقات الرقمية حجّمت هامش أرباحه؟ أو عندما تنتقل إلى حي آخر ولا تعرف أين تجد الأشخاص الذين يدركون معنى أن تُسأل على الدوام "من أين أنت في الواقع؟"
وهنا يصبح العالم الرقمي تصميمًا. فقد انطلق "نادي طعام الفتيات العالمي" بمنشور بسيط على انستغرام يعلن عن ترتيبات لقاء عشاء، وفي غضون ساعات، أصبح الغرباء أسماءً ضمن قائمة الانتظار. وما لم ندركه آنذاك، هو أننا لم نكن بصدد التجهيز لتجمع حول طاولة الطعام، بل كنا نشيّد بنية قاعدية. أنشأ الإعلان الرقمي ما يسمى لدى عالِم الاجتماع مارك غرانوفيتر "الروابط الضعيفة"، وهي العلاقات المنسوجة بين الناس التي تشترك في اهتمامات معينة، لكن يغيب عنها القرب الذي يتطلبه تنظيم المجتمع التقليدي. وهذه الروابط الضعيفة مهمة بالخصوص للنساء ذوات البشرة الملونة اللائي عادة ما يجدن أنفسهن في عزلة ضمن فضاءات العمل التي تغلب عليها البشرة البيضاء، غير قادرات على إيجاد أخريات تواجهن التحديات الثقافية ذاتها.
تكشف أبحاث التصميم الحضري حول الأماكن العامة أن التفاعلات الاجتماعية المعاصرة قد توسعت لتتخطى الفئات التقليدية. فبينما يميّز إطار عمل أولدنبرغ بين المكان الأول المتمثل في البيت، والمكان الثاني المتمثل في العمل، والأماكن الثالثة المتمثلة في فضاءات التجمع غير الرسمي، يعرّف باحثون، مثل كريستينا سواريس باردال، الأماكن الرابعة على أنها مساحات تتسم بطابع البيْنية والحداثة والمرونة بدلًا من الألفة. فهذه الأماكن لا تخضع لمعايير راسخة أو نماذج استخدام متكررة، بل توجِد أريحية اجتماعية من خلال حداثتها وعدم تحديد مكانها. والمكان الرابع الذي أقترحه هنا يوسّع هذا المفهوم ليدخل به إلى العالم الرقمي، دون أن يستعيض عن الفضاء المادي، بل بإنشاء بنية هجينة يسمح من خلالها التنسيق الرقمي للتجمعات الفعلية.
أثبتت مرونة هذا النموذج وجودها في ظل جائحة كوفيد-19، فمع أنّ التجمع الفعلي للناس أصبح مستحيلًا، إلّا أننا لم نختفِ، بل تكيفنا مع الوضع الجديد، حيث كنا نطلب خدمات الأكل من المطاعم ذاتها عبر تطبيقات مثل سلاك والجلسات الافتراضية ونترافق في تناوله وراء شاشات تواصلنا. أجرينا مقابلات مع كبار الطهاة، واستضفنا عروض طبخ، وحافظنا على عاداتنا في تشارك الطعام الجماعي وحتى ونحن نقيم في مدن مختلفة. ولم يقتصر المعنى هنا في "الانتقال نحو الإنترنت"، بل كان ذلك دليلًا على أن الأماكن الرابعة تتميز بالمرونة، وهي مصمَّمة لتناسب الاضطراب الذي تعرفه حياة الشتات. وعليه ساهم أساس البنية الرقمية في إحكام روابط المجتمع خلال الأزمة، وتحقيق العودة اليسيرة والسلسة إلى الفضاء المادي عندما بات ذاك متاحًا.
القدرة على توسيع شبكة الانتماء: من المحلي إلى العالمي
انتشرت الفكرة التي وُلِدت في أوستن لتتخطى حدود القارات، حتى بلغت لندن ودبي ونيويورك وتكساس. تُروى فصول تطوّرها على حدة، بتنسيق مستضيفين محليين هم أهل المدينة وأدرى بشعاب جغرافيا التهجير فيها؛ إذ يقدّم مطعم باكستاني شرق لندن خدمات تستهدف أغراضًا غير تلك التي يعرضها مقهى سوري في هيوستن، إلا أن كليهما يصبح عُقدًا تنسج شبكة انتماء أوسع. وهنا يأتي البعد الرقمي من خلال تواجدنا على منصة انستغرام والنشرات الإخبارية وسلاسل الرسائل على الواتساب ليتيح لهذه الفضاءات المتباينة التحادث، فينشأ ما يمكن تسميته لدى علماء الأنثروبولوجيا المكان الثالث العابر للأوطان.
تتطرق معالجة قضية هذه القدرة على التوسع لتحدٍّ أساسي في دراسات الشتات: كيف يمكنك بناء مجتمعك عندما يتواجد أفراده في كل مكان وفي لا مكان في آنٍ واحدٍ؟ كانت المناطق العرقية التقليدية توفر ذلك من خلال التركيز الجغرافي، لكن نماذج الهجرة المعاصرة أكثر انتشارًا. وعليه فإن تشكيلة الأفراد من الشتات المختلط لا ينتمون بسهولة إلى مجتمعات ذات الأصل الواحد. يؤدي نموذج المكان الرابع إلى ما يصفه ستيوارت هول، باحث في الدراسات الثقافية، بهويات الشتات "التي لا تنفك تتشكّل وتُجدِّد تشكيلها من خلال التحوّل والاختلاف"؛ إذ يسمح النسيج الرقمي بهذا التجدد المتواصل عبر المكان، بينما تمنح التجمعات المادية التجربة المجسَّدة واللازمة لتشكيل الهوية.
كما أنّ للمطاعم التي نختار أهمية أيضًا، فبالتركيز الواعي على تلك المملوكة للأقليات، نبني اقتصادًا مرنًا بالموازاة مع المرونة الاجتماعية. وبذلك تستحيل تجمعاتنا وجهًا من الأنشطة المكانية، حيث تملأ ثلاثون امرأة مطعمًا فلسطينيًا في ظروف صعبة في ليلة يوم ثلاثاء، ويتحول نشاطهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى تسويق مجاني له، وتبقي زياراتهن المتكررة له أضواءه منيرة. يمثل هذا بناء مجتمع كدعم للبنية التحتية، مع الإقرار بأنّ "الأماكن الثالثة" في حد ذاتها بحاجة إلى الحماية. ففي عصر تشهد فيه المطاعم تحدي الإيجارات الناهبة، وعمولات تطبيقات التوصيل، ومنافسة سلاسل الشركات، يبرز المكان الرابع لإنشاء شبكة داعمة تنشط على المستوييْن الاقتصادي والاجتماعي. فنحن لا نصمم مساحة مجتمعية فقط، بل نبني مرونة لهذا المجتمع.
تصميم المكان البيْني: ملتقى النظرية المكانية والممارسة الرقمية
تنمو الأماكن الرابعة في المنطقة الوسطية، وهو مفهوم متجذر بعمق في النظرية المكانية. يبيّن عمل هنري ليفبفر حول تشكيل المساحة أن هذه الأخيرة ليست مجرد حاوٍ يستوعب العلاقات الاجتماعية، بل تشكلها على نحوٍ فعّال. ينسج المكان الرابع نوعًا خاصًا من العلاقات الاجتماعية، ملائمًا لهؤلاء المتواجدين في خانة ذلك الفضاء البيني. عندما تنحدر من فئة بخلفية الشتات المختلط، قد يبدو أي مكان غير مألوف لك لأنه لا يوجد فضاء واحد يستوعب كل الجوانب فيك، إلّا أنّ للمكان الرابع القدرة على احتضان التنوعات الكثيرة.
تؤكد أبحاث باردال حول الأماكن الرابعة خصائصها الأساسية وتجملها في عدم تحديد شكلها ولا وظيفتها، ومرونتها وقابلية تكييف استخدامها، وطابع العمومية فيها الذي يبقى مجهولًا. يجسّد "نادي طعام الفتيات العالمي" هذه الخصاص الثلاثة كلها، حيث إن شكله غير محدد؛ فقد يضم عشرين امرأة في بعض الأحيان، كما قد يضم خمسين، ويُنظَّم أحيانا كمأدبة عشاء رسمية، وأحيانًا كجلسة لقاء غير رسمية. ويمكن تكييف وظيفته؛ إذ إننا نلتقي حقيقة لتناول الطعام، ولكن أيضًا لنربط علاقات ونوجه نصائح إرشادية لبعضنا بعضًا، ولترتيب أمورنا، أو بكل بساطة لنتواجد في مكان لسنا مطالبين فيه بتقديم تفسير عما نحن عليه. كما يتّسم بإتاحته للجميع، حيث يمكن لأي أحد أن ينضم عبر الانستغرام دون الحاجة إلى اعتماد أو علاقات للقبول.
تكتسي هذه المرونة أهمية بالغة بالنسبة للأشخاص الذين يتعاملون مع رموز ثقافية متعددة، فلا توجد "طريقة صحيحة" لحضور عشاء "نادي طعام الفتيات العالمي" تمامًا مثلما لا توجد "طريقة صحيحة" لتكون ما أنت عليه. وبشكل متناقض، تضفي الطبيعة المؤقتة لكل لقاء يجمعنا، نحن الغرباء الذين نتحول إلى مجتمع لمساء واحدٍ، شعورًا بالأمان، وإن لم تكن مرتاحًا، فلك ألا تعود. لكن الغالبية العظمى ترجع لأن هذه التجربة، التي تسمح لهم بأن يكونوا محاطين بمن يدرك الإرهاق الخاص بالتجسيد الثقافي، هي تجربة نادرة وثمينة.
كما يتطرق التركيب الهجين الرقمي والمادي لمعالجة مسائل الإتاحة والشمولية التي تعاني منها الأماكن الثالثة التقليدية، فالمقاهي لدى أولدنبرغ تفترض توفر وقت فراغ ودخل وقرب جغرافي. بينما توزّع الأماكن الرابعة هذه المتطلبات بطريقة مغايرة؛ حيث يقلص العالم الرقمي الحواجز الجغرافية، ويتيح النموذج المرن جداول زمنية متنوعة، وتسليط الضوء على المطاعم المملوكة للأقليات يعني أننا ندعم البنية التحتية للمجتمع بدل أن نزيحها.
الطعام كوسيط، والعمارة كرسالة
غالبًا ما أفكر في كارافانسراي، نزل جدي الأكبر، على طريق الحرير، حيث كان المسافرون يتوقفون للاستراحة، وهناك يتشارك الغرباء وجبات الطعام، وقصصًا من مختلف الأوطان. كان يلقب باسم "توخ"، بمعنى "المضياف"، وذلك لكرمه في إطعام الناس. كان هذا الكارافانسراي في حد ذاته نوعًا من الأماكن الرابعة؛ يتميز بكونه مؤقتًا ومرنًا ومصمَّمًا للأشخاص العابرين، فقد كان مفهوم المنزل أبعد من مجرد موقع ثابت، فهو إبداء كرم الضيافة ولمسة ترحيبية متكررة.
تعلمت كمهندس معماري تصميم المباني، ولكن هذا العمل علمني أيضًا أن أهم عمارة قد تكون غير مرئية أحيانًا؛ مثل الأنظمة والشبكات التي تمنحنا إمكانية التجمع، والبنية التحتية الرقمية التي تجعل من الفضاء المادي سبيلًا متاحًا، ومعاملات الضيافة التي تُشعِر الغرباء بأنهم ضمن مجتمع متماسك. وهنا يصبح الطعام وسيلة لبلوغ ذلك لأنه عالمي وخاص في آن واحد، فالكل يأكل، ولكن نوع الأكل وطريقة تناوله تبوح بكل شيء عن هويتنا وأصلنا. فأطباق السلتة اليمنية، واللغمن الأويغوري، والمسخّن الفلسطيني، تحمل معها قصص الهجرة والتكيف والبقاء، ومشاركتها مع الغير تنشئ ما يسميه كريشندو راي، مختص في مجال الطهي، "المواطنة في الطهي"، وهو أفق للانتماء خارج حدود الوطن.
كما تصبح المطاعم ذاتها ما يسمى لدى عالمة الاجتماع جين جاكوبس "أعين على الشارع" كركيزة للأمن والألفة في مشهد حضري يغلب عليه الطابع العدائي. فحينما نجتمع مرارًا في هذه الأماكن، لسنا بصدد تناول الطعام فحسب، فصحيح أننا ندّعي أن هذه المطاعم لنا، ولكننا نؤكد أيضًا على دوامها في الأحياء المصممة بشكل متزايد لتناسب المقيمين الأكثر ثراءً وذوي البشرة الأكثر بياضًا. وبالتالي يتدخل نموذج المكان الرابع في عمليات التطوير الحضري ليس من خلال المقاومة، بل من خلال الإصرار وشغل المكان المفعم بالبهجة: فنحن هنا، إننا نأكل، ولن نبرح لأي مكان.
المرونة كمبدأ تصميمي
إذا كانت المرونة هي القدرة على التعافي من الصعوبات، فمجتمعات الشتات خبيرة في المرونة. نحن في الغالب أبناء النزوح، ربّتنا أجيال أعادت بناء حياتها من العدم، وتعلمت لغات جديدة، وشيّدت منازل في أماكن لم يكن مرحَّبًا بنا فيها دائمًا. إنّ نموذج المكان الرابع يقود هذه المرونة الموروثة تجاه بنية تحتية مصمَّمة.
المرونة في التكرار، فعندما يغلق مكان، تجد الشبكة غيره. والمرونة في المطاوعة، فعندما تضرب الأزمات بيد من حديد، ننتقل إلى التواصل عبر الإنترنت دون أن نتفكك. والمرونة في سهولة الوصول، فكل من لديه إمكانية الدخول إلى الإنترنت يستطيع إيجادنا، وبمجرد أن يعثر علينا، يمكنه أن يصل إلى أماكن التجمع الحقيقية. والمرونة في روح التبادل، فنحن ندعم المطاعم التي تدعم مجتمعاتنا، ونبني من خلال ذلك نُظمًا اقتصادية وأخرى اجتماعية. والمرونة في قابلية التوسّع، فالنموذج صالح في أي مكان يتواجد فيه من يتوقون إلى التواصل.
هذه مرونة أتت نتيجة التصميم وليست محض صدفة. فبينما تنبع الأماكن الثالثة التقليدية طبيعيًا من عمق المجتمعات المستقرة التي تروي قصصًا مشتركة، تولد الأماكن الرابعة بالضرورة وبطريقة واعية من رحم التصميم، لأنها تخدم مجتمعات مجزأة في هيكلها بسبب الاستعمار والرأسمالية والأنظمة الحدودية التي تحدد من له إمكانية التنقل ومن يترتب عليه البقاء. والبنية التحتية الرقمية التي أنشأنا ليست حلًا وسطيًا أو صورًا أدنى من المجتمع "الحقيقي"، فهي الهيكل الذي يمكّن من قيام المجتمع عبر المسافات ورغم الاضطرابات.
غالبًا ما يعزز العمران الحضري مقهى الحي "الأصيل"، ويرثي استبداله بسلاسل شركات وفضاءات عمل مشتركة. لكن هذا الشعور بالحنين يغفل عن حقيقة أن الكثير من المجتمعات لم تحظ قط بفرصة الوصول إلى هذه الأماكن الثالثة المصوَّرة بشكل مثالي. فالمطاعم المملوكة للأقليات في الأحياء التي تشهد تحسينًا حضريًا ليست مرافق غريبة، بل مواقع محاصَرة، تتعرض باستمرار لتهديد زيادة الإيجار وتغيرات التركيبة السكانية. "المكان الرابع" لا يضفي لمسة رومانسية على هذه الفضاءات، بل يقر بهشاشتها ويحيطها بتشييد بنية حامية.
الانتماء غدًا
بينما أتطلّع إلى تطوير هذا النموذج أكثر من خلال البحث والممارسة، تبرز جملة من الأسئلة مثل: كيف لنا أن نجعل هيكلة المكان الرابع رسمية دون أن تشوبها البيروقراطية؟ كيف نعوّض الجهد العاطفي الذي يجعل من هذه التجمعات ممكنة؟ كيف لنا أن نضمن أنه مع توسعنا لن نكرر التسلسلات الهرمية والإقصاءات التي نسعى إلى تفاديها؟ كيف نصمم من أجل المرونة دون أن نصمم للدوام، بما أن الشتات يقوم أساسًا على التنقل؟
يتطلب هذا النوع من الأسئلة دقة نظرية وتجريبًا عمليًّا، ذلك أنّ المكان الرابع يحتاج دراسة مستمرة من خلال إجراء بحث إثنوغرافي حول خوض هؤلاء المشاركين تجربة الفضاءات الهجينة، ومن خلال التحليل المكاني لتداخل العالميْن الرقمي والمادي، ومن خلال النمذجة الاقتصادية لكيفية الدعم المستدام للبنى التحتية التنظيمية وكذا المطاعم التي نعتمد عليها. ولكنه يستلزم أيضًا ممارسة مستمرة للوصول إلى فصول وتجارب وتكرارات أكثر والتعرف على ما ينجح وما لا ينجح.
ومن الواضح أن النماذج القديمة لا تخدمنا، فلا يمكننا انتظار الأحياء المستقرة والمؤسسات الراسخة لإنشاء فضاء خاصٍ بنا، ولا يمكننا الاعتماد على الأماكن الثالثة المشيّدة من أجل المجتمعات المستقرة، بينما تقوم حياتنا على الحركة، كما لا يمكننا أن نفصل وجودنا الرقمي عن وجودنا المادي بينما يجعل الأولُ الثانيَ ممكنًا. صحيح أنّ المكان الرابع ينبثق من الحاجة، ولكن من الإمكانية أيضًا، والإقرار بأنّ ظروف هجرتنا قد تزودنا في الحقيقة بالموارد اللازمة لتصميم أشكال انتماء جديدة مناسبة لعالم يشهد وتيرة متزايدة في الحركة والرقمية والتفكك.
وفي الختام، المرونة ليست في تحمل الضغط دون السعي إلى التغيير، بل هي التكيف مع المحافظة على الجوهر الأساس. إنّ نموذج المكان الرابع مرن لأنه يقرّ بأن طبيعة المجتمع قد تغيرت، وأنّ الانتماء اليوم يتطلب البعديْن الرقمي والمادي على حد سواء، وأنّ البقاء بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون الشتات يعني إنشاء بنى تحتية ترافقنا حين نتنقل. فعندما يسألك أحدهم "من أين أنت؟" وتتضمن الإجابة بلدانًا وثقافات وأجيالًا، يقدّم المكان الرابع سؤالًا بصيغة مختلفة: "أين تريد أن تجتمع بغيرك؟" ثم يعطيك الإحداثيات التي تسوقك إلى أفراد مجتمعك.
هذه هي المرونة. هذا هو التصميم. هذا هو البيت، ليس مكانًا قدِمتَ منه، بل هو فضاءٌ تشكّله باستمرار، ووجبةٌ واحدة، ومنشورٌ واحد، وتجمعٌ واحد في كل مرة. الطاولة جاهزة. اسحب الكرسي.




