map in black and white

خارطة الفراغ

لجمانة عباس

المشاركة مع صديق

غالبا ما أجد نفسي بصدد التفكير في ذلك الطريق الذي كنت أقطعه من مدرستي في البيرة بشارع الأمين عائدة أدراجي إلى بيتنا الذي يقع في الطيرة في فلسطين. كانت المدرسة مشيّدة على هضبة شديدة الانحدار، بينما كان بيتنا قائما على ارتفاع بسيط، وأنا أتذكر كيف كُنَّا في العادة نركض بعد المدرسة أسفل المنحدر لنحصل على اللبن أو حليب الشكولاتة قبل أن تصل أمي لتقلّنا إلى البيت. كانت تركن سيارتها عند نهاية الطريق ثم تنعطف يمينا تجاه مسار الشارع الرئيس. وانطلاقًا من هذا المشهد بالذات، تبدأ ذاكرتي في التلاشي وتصبح منهكة وفاقدة للتركيز. والذكرى التالية التي أسترجعها هي الصعود بالسيارة عكس المنحدر، والانعطاف عند ركن محل آخر، والاتجاه يمينًا مرة أخرى، ثم التوجه إلى الأسفل نحو الشارع المؤدي إلى بيتنا.

كنت أستقي خَطيْ الرحلة من وحي خيالي؛ من المدرسة إلى المحل، ومن المحل الآخر نزولًا باتجاه بيتنا، ثم أحاول إسقاطهما على ما أراه موضحًا في خرائط جوجل؛ طريق أكثر التفافًا، بمنعطفات أكثر، مأهول ومظلل بالبنايات التي لا أذكرها، فذاكرتي والأساس البنيوي للمخطط التكويني لا يوافقان الطريق على النحو المبيَّن بإحداثيات جوجل الخاصة بالمدرسة والبيت، ولا المسار العام المرسوم على خرائط جوجل. وأدوات مثل خرائط جوجل ونظام المعلومات الجغرافية (GIS) تعيد صياغة طرقات الوطن الذي لم يسبق للعديد من الفلسطينيين زيارته؛ وطن خيالهم الذي أثرت عليه الأنشطة الاستعمارية.

 فهذه المعينات التي تعدُّ أدوات خاصة بالتحركات والتنقلات، على وجه التحديد لفهم معالم الفضاء، والتتبع اللحظي للاتجاهات، وتوقيت الوصول التقديري، وحركة السير، هي أيضا عناصر إدراك بصري، ذلك أنها تعتمد على مبدأ الرؤية؛ إذ تعزز الجوانب المرئية التي أُعِدّت لتُرى، وتخفي غير المرئية لتبقيها محجوبة عن الرؤية.

وعندما أنظر إلى الرسميْن والمخطط وطريق جوجل، أُدرك أنّ هذه المسارات ليست جزءًا من الأراضي التي ينبغي تحليلها وملاحظتها. كما أنّ هذه المشاهد الطبيعية تنظر صوب ناظريها أيضًا، فقد قُلصّت إلى رسومات بسيطة، بينما هي في الحقيقة مواقع تروي تجارب حياة. هي ليست تضاريس طبيعية تخضع لقوانين الرسم والحساب، بل معالم نابضة تشهد على ذاكرات جماعية وتواريخ العنف والمقاومة التي تناشد البقاء على قيد الحياة. وعليه فإنّ النظر إلى خريطة ما أو حتى إلى مخطط بسيط بعدسات علم رسم الخرائط، أمر يتطلب منا التساؤل عن مدى صدقها. وكما أشار إليه الكاتب خورخي لويس بورخيس في نصه "في صرامة العلم" حول العلاقة الرابطة بين الخريطة والمكان1، فإنّ الخرائط لا تقتصر على اختزال تمثيل الأراضي عليها بل تشمل الوقائع أيضًا، حيث إنها في الحقيقة تمْتثل لضوابط اختصاص علم الجغرافيا بينما تتجاهل واقع الوصول إلى تلك الأراضي وأولئك العاجزين عن المطالبة بحقهم فيها وحقهم في الوصول إليها.

وفي خضم عملية مسوحات الأرض غير المطابقة للمعايير وغير الحتمية تُطرح جملة من الأسئلة الجوهرية: ما هي الحقوق المتعلقة بصنع المكان وتخيل الفضاء؟ كيف يمكننا تصور الأرض من خلال الخرائط وأدوات وضْعها مع إدراج المعارف الأصلية فيها؟ وبينما يطالب الفلسطينيون بحقهم في وضع الخريطة، كيف يمكن لأدوات التصميم هذه أن تصبح وسيلة تحرر من النظام المادي والدلالي لوضع الخرائط الذي بُني ليتماشى وفقًا للتخيل التوراتي والخطط الاستعمارية، والالتزام بتقنيات المسح المعاصر بل وحتى تشكيل لبناتها؟ تتفادى العملية التي تبنَّيْتها آليات رسم الحدود، وبدلا عن ذلك تضع خريطة تتوافق مع التجارب المعيشة من خلال ممارسات الفلسطينيين في توثيق الأرض، وبالأخص السبل التي يعبِّر بها السكان الأصليون عن معرفة الأرض والتي تتجسد في رموز التطريز.

فتتمثل الصورة الآتية في خريطة مشكّلة تجسّد تفكرًا استبطانيًا في الوقت التي قضيته في رام الله من خلال رمزية التطريز، وكذا نظرة خارجية عن مستقبل وضع الخرائط، تلك التي توفّق بين المعرفة التقليدية والوسائل الجديدة في التصوّر. يبدأ العمل بتذكري للحدود والخطوط الطوبوغرافية للمناظر الطبيعية المحيطة بمنزلي ورام الله، المدينة التي عشتُ فيها. ومع أن ذاكرتي مجزأة ومشوشة وغير قادرة على التركيز تقريبا، إلا أنني أتذكّر الخطوط شديدة الانحدار والمناظر الطبيعية الطوبوغرافية في رام الله، والتي أعيد تصورها كخلفية. وفي ضواحي المدينة البعيدة، هُيّئت الأراضي القاحلة، ذات الاخضرار الخفيف والمتفرق في المناطق العليا من أجل المستوطنات. وعلى صعيد مغاير، أتذكر المنظر الطبيعي لأشجار الأرز على الجانب البعيد عن المكان الذي كنا نعيش فيه، الطيرة. تتشبث الأشجار الباسقة بطولها الشاهق فوق الأرض وهي تصدح كشهادة حية على عدوان الاستعمار الغاشم. كما أتذكر الطريق المؤدي إلى البيرة، الذي تمتد حقول الزيتون على جانبيه صامدة وضاربة بجذورها في أعماق الأرض، وهما مجسَّدان من خلال رموز تطريز النباتات الخضراء، الميزة التي تتفرد بها المدينة.

فعلى أية حال، الذكريات هشة ويمكنها أن تخذلنا، لكن الجهود الجماعية المبذولة لتصوّر الأرض وتوثيقها لن تخذلنا. فهي محاولة لتشكيل المشهد الطبيعي المرئي لفلسطين، لنتخيل كيف يمكننا تصوّر مادية جغرافيتها من خلال روابط أناسها الأصليين. يواجه هذا التحدي الإرث الاستعماري لرسم الخرائط وتداعياته اليوم، خاصة عندما نواصل اعتمادنا على قوانين هذه التقنيات الخاصة برسم الخرائط. عندما يصبح المنظر الطبيعي شكلا من المقاومة، والتصميم وسيلة لهذه الغاية، هنا تعاد صياغة أهداف أدوات التصميم، وتصطدم العناصر التجميلية لصناعة الصورة وصناعة الخريطة، لتشكيل جمع من الأصوات والسرديات والتجارب التي تعكس المناظر الطبيعية الفلسطينية، المنصهرة كلها في بوتقة معارف الأصليين. إنها تتعدى معاني الصفات والأسماء المنسوبة إلى رسومات الخرائط الاستعمارية، لتتطور إلى ما هو أبعد من مجرد خريطة غياب، فهي الآن حاضرة في ذكرى المنظر الطبيعي المادي والرمزي لفلسطين، كما أعرفها وكما كان من الممكن أن تكون عليه، تُقدم رؤية عن أرض مفقودة ومُعاد تصورها على حد سواء، بيد أنها لم تُحرر بالكامل بعد.

لبلادنا، قصيدة للشاعر محمود درويش.

لبلادنا،

وهي القريبة من كلام الله،

سقف من سحاب، 

لبلادنا،

وهي البعيدة عن صفات الاسم،

خارطة الغياب

لبلادنا

وهي الصغيرة مثل حبة سمسم،

أفق سماويّ...وهاوية خفية

لبلادنا،

وهي الفقيرة مثل أجنحة القطا،

كتب مقدسة...وجرح في الهوية

لبلادنا،

وهي المطوقة الممزقة التلال

كمائن الماضي الجديد

لبلادنا، وهي السبية

حرية الموت اشتياقًا واحتراقًا

وبلادنا، في ليلها الدموي،

جوهرة تشع على البعيد على البعيد

تضيء خارجها...

وأما نحن داخلها،

فنزداد اختناقًا!

خريطة مرسومة
خريطة بالأبيض والأسود