blue train

عَطْبَرة: حجة اللا عودة، لا مقاومة، لا صمود

سهى حسن مؤرخة ومعمارية ومؤسسة أتليه سهى حسن، وهو مكتب مقره ستوكهولم يقدّم خدمات التصميم والاستشارات في مجال إدارة التراث والثقافة. تقود المدرسة الزائرة خرائط مناخية في مدرسة ال أي أي للعمارة (لندن). أسست سهى حسن مبادرة مواني في البحرين، وهي عضو مؤسس في مجموعة السودان الحديث. كما عملت مستشارة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونسكو، وهي الحاصلة على جائزة غولدروميت (الغرفة الذهبية) من جمعية العمارة السويدية في ستوكهولم في عام 2025.

المشاركة مع صديق

القرية

في عام 2018 اندلعت شرارة الاحتجاجات في مدينة عَطْبرَة بالسودان. أحرق المتظاهرون مقرّ الشرطة الرئيسي اعتراضًا على الفشل الاقتصادي للدولة. تزامنًا مع الأحداث، انتشرت أغنية بعنوان "عَطْبَرة" على وسائل التواصل الاجتماعي داخل البلد وفي المهجر باعتبارها تشريفًا لمدينةٍ تمرّد شعبها على النظام. لكن حكاية هذه الأغنية ليست عن المدينة بقدر ما هي عن تغيرات الحداثة وعن انطباعات من تأثر بمحاولات تشكيل الدولة الحديثة منذ بدايات القرن العشرين.

تتناول الأغنية مفهوم غربة الإنسان في وطنه، وقد جاءت على لسان صبي مهاجر في الثانية عشرة من عمره، يصعد على متن قطار متجه إلى عَطْبَرة. ولكن تمتزج الأزمنة أحيانًا فتبدو الكلمات وكأنها على لسان رجل يتذكر لحظات هجرته صبيًا، يشفق على نفسه ويتساءل: "ولدا متين بقي للسفر والاغتراب والدردرة؟ ولدٌ صغير وآمال كبيرة، أعجبه مشهد المدينة لحظة وصوله. يخبرنا الصبي أن الهجرة ليست أمرًا غريبًا عليه، فقد نزحت عائلة والده قديمًا من وادي حلفا في النوبة.[1] على الرغم من ارتباط الهجرة اليوم بعبور الحدود ألا أنها كانت تصف الهجرة من الأرياف إلى المدن بزمن الحداثة.

في أواخر التسعينات ألقى كاتب كلمات الأغنية جمال عبدالرحيم شعرًا بعنوان "الخروج من القرية" في تسجيل برنامج أسمار بقناة السودان. عندما سمعها مذيع البرنامج آنذاك الإعلامي والملحن طارق جويلي، استأذن منه أن يلحنها. تواصل طارق جويلي معه لاحقًا ليطلعه على اللحن ويخبره بأنه قد غيّر عنوان الأغنية من "الخروج من القرية" إلى "عَطْبَرَة"، ثم غنتها فرقة عِقْد الجلّاد.[2] وهكذا أصبحت الأغنية في المخيلة الجمعية احتفاءًا بالمدينة، على النقيض من المعاني الكامنة وراء الكلمات: الإزاحة والتهجير المرتبط بالعيش في القرية في أوقات التحولات الحضرية المتسارعة.

تزامن ظهور الأغنية مع العقد الأول من الحكم الإسلامي في السودان، ثم غناها الشعب احتجاجًا على النظام بعد قرابة عقدين من الزمن في عطبرة. عندما ألقى الشاعر قصيدته "الخروج من القرية" في أواخر التسعينات كان السودان يتغير سياسيًا واجتماعيًا كما هو الحال اليوم أو أي حقبة أخرى من التاريخ. لم تعد حالة الغربة في المدينة تخص مجموعة مهمشة من المجتمع، بل باتت تشمل الجميع بمن فيهم أهالي المدن النازحين منها بسبب الحرب.

المدينة

قدم أحمد العوض سكينجا في كتابه "مدينة الحديد والنار" تصورًا لعَطْبَرة على أنها مدينة تزدحم بالمفارقات.[3] تلك المدينة الهادئة على ضفاف النهر، سرعان ما تحوّلت إلى مركزٍ حضري بكل العناصر التي تأتي مع هذا التعريف: النوادي الرياضية من كرة القدم إلى التنس والغولف، إلى جانب الحانات والأسواق التي أصبحت تجلب البضائع من بعيد، وذلك بعد إنشاء السكك الحديدية. تسهل ملاحظة جاذبية عَطْبَرة وسبب التغنّي بها، وبالتوازي تسهل ملاحظة الطبقية بين أعراق معينة مُشَكِّلةً تركيبة هرمية تتحدد بها فرص العمل والسكن.

في عام 1905 نقلت الإدارة البريطانية رئاسة سكك حديد السودان من وادي حلفا إلى عَطْبَرة. كان هذا القرار محاولة للحد من النفوذ المصري في السودان من خلال إنشاء شبكة نقل لتحويل الممر التجاري إلى بورتسودان الواقعة على البحر الأحمر وخلق مسار بديل لنقل البضائع.[4] هذه الخطوة حوّلت محطة القطار الصغيرة في عطبرة إلى مدينة صناعية، وجعلت منها مركزًا رئيسيًا لشبكات السكك الحديدية. كان لهذا التحوّل تأثيرًا هامًا على القرى التي سبقت المدينة تاريخيًا. حيث قامت الحكومة البريطانية بانتزاع الأراضي من أصحابها لتوسعة مسار السكة الحديدية، وإنشاء بُنى تحتية مساندة لها من ورشٍ ومكاتب ومساكن للموظفين الذين غالبًا ما كانوا بريطانيين أو يونانيين.

توسّعت المدينة على حساب قرية صغيرة تُدعى "الداخلة"، كانت لقرونٍ محطةً تخدم الحجاج القادمين من الصحراء في طريقهم إلى مكّة. وفي عام 1889 شيّدت الإدارة البريطانية مخيّمًا عسكريًّا فيها ومحطةً لخدمته. وقد سُمّيت المحطّة ثم المدينة التي قامت عليها، على نهر عَطْبَرة الذي يتفرع من نهر النيل ليحاذيها من الجنوب. تتعدد الروايات حول الأصل اللغوي للاسم، حيث يُذكر في أحد المراجع أن الكلمة نوبية الأصل وهي مُركّبة من لفظين هما "إد" بمعنى الأرض و "بارا" بمعنى الساحل. ومع التنمية الصناعية في المدينة في ظل الإدارة البريطانية دعت الحاجة إلى جلب قوى عاملة منتظمة، وكانت هي نفسها التي تحركت ضد الإنجليز؛ أولًا للمطالبة بتحسين بيئة العمل، ولاحقًا للتحرر من الحكم الاستعماري.

تأسست "هيئة شؤون العمال" عام 1947 لمعالجة القضايا الاقتصادية، حيث أنها تشكلت نتيجة لفشل الإضرابات عام 1940. وقد حاولت الإدارة البريطانية إضعاف الحركة بإصدار بيان رسمي تقول فيه أنّ السودان "ليس مستعدًا بعد لقيام نقابات عمّالية."[5] ثم سعت الإدارة البريطانية إلى تشريع الحركة من خلال سن قوانين تمكّنها من السيطرة على هذه النقابات وتنظيمها، لتضمن عدم تحوّلها إلى حراك سياسي. مع ذلك، فإن تطور هذه النقابة ساهم في استثارة مجموع حركات التحرير في البلاد.

ولهذا اقترن اسم المدينة بالمظاهرات وحركات المقاومة حتى كان آخرها الذي وقع في ديسمبر 2018. حيث قاد الحراك في بداياته نقابات مهنية من شتى القطاعات، ثم امتد أثره - كسابقيه - إلى جميع أرجاء البلد. أدّت تلك المظاهرات إلى سلسلة من الأحداث بما فيها إسقاط رئيس نظام الحكم الذي أجج مشاعر الشعب بين اليأس والأمل. بعد أبريل 2023 تفكك مشروع بناء الدولة؛ والذي كان ضعيفًا وعلى وشك الفشل منذ نشأته في خمسينيات القرن العشرين.[6]وعَطْبَرة، التي جذبت المهاجرين من القرى في الماضي، باتت اليوم ملاذًا للنازحين من العاصمة الخرطوم.

إن توسّع المدينة يظهر على خرائط قوقل؛ حيث يمكن ملاحظة تغير أنماط الحركة منذ 2023. وتعتبر مواد البناء التي أضيفت لمباني المدينة من أوضح هذه المظاهر، فإن استخدام مواد مثل صفائح الفولاذ المموجة للأسقف تدل على التوسع الطارئ الذي حدث. كما يكثر استخدام ألواح الطاقة الشمسية على الأسطح، والتي قام بتركيبها من استطاع تحمل تكاليفها للتعويض عن قصور البنية التحتية في إمداد المدينة بالكهرباء.

الحجة

عبّرت الأغنية المذكورة في البداية عن عدة محاور، مثل تقاطعات الحداثة والاستعمار مع مفاهيم التقدّم. كما صوّرت تبدل أحوال المعيشة بسبب مشاريع البنية التحتية الكبرى، ومشاريع السدود والسكك الحديدية، من حياة تتسم في ذاكرة الناس بالبساطة إلى حياة المدينة الصناعية الصاخبة. ونتيجة لهذه التغيرات، أصبح الصمود حالة طبيعية، سواء كان باللجوء إلى مدن جديدة بحثًا عن الأمن والعمل، أو بتركيب ألواح شمسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في ظل فشل الدولة المستمر.

يقول الشاعر محمود درويش: "لا أعلم من باع الوطن! ولكنني رأيتُ من دفع الثمن." الثمن الذي دائمًا ما يدفعه من لا يملك الوساطة، أولئك الذين يحملون عبء الصمود. ظهر استخدام كلمة "صمود" في اللغة الإنجليزية في مطلع القرن التاسع عشر في السياق العمراني لتشير إلى مدى تحمل البنية الإنشائية لمواد البناء وقد اكتسبت الكلمة معنى آخر حديثا في الإنجليزية وباتت تعني الصمود. وعلى ذلك فإن كلمة صمود في سياق هذا المقال تفيد بأن المجتمعات المهمشة أصبحت هي دعامات النظام، التي تتحمل مسؤولية انهياره بدون أن يكون لها دخل في ذلك. هنا يسلب الصمود من تلك المجتمعات حقها في تقرير المصير؛ مُجْبَرون على العمل في مشاريع فرضها النظام عليهم. إنه مصطلح نيو ليبرالي لا يحتفي بالصامدين، بل يُسْتَغل لتبرير ضعف النظام.

وبالمثل، تعتبر مقاومة النظام في كثير من الأحيان فعلًا بطوليًا، غير أنّ عبء جاهزية خوض المعارك يعود ليقع على الشعب. فالمقاومة هي أن تضحّي بكل شيء، المادي والمعنوي، بما في ذلك الجسد، من أجل قضية ما. هي أن تدخل في صراع وأنت في كامل الوعي باحتمال الخسارة؛ في المعركة لا يوجد منتصر حقيقي. المقاومة معركة تسبب الكثير من الخسائر، وكما قالت دوروثي باركر: "معركة خاسرة، ومعركة رابحة، الفرق صغير جدًا، يا بنيّ".

وأخيرًا، فيما يتعلّق بالعودة، فإن جمال عبد الرحيم عاجزٌ عن الرجوع إلى أرض أجداده، فهي تقبع اليوم تحت نهر النيل. لا يُمكن لأي تعويض مادي أن يستعيد الثقافة والمعرفة والتاريخ الذي ضاع مع نزوحه. العودة مستحيلة، فهي بلا إطار سياسي مجرد حنين إلى ماضٍ مثالي لا وجود له. واستدعاء أغنية عَطْبَرة، والتي تم استخدامها بشكلها الأمثل تداولاً الاحتفاء بالمدينة، تخفي في المقابل كلا من حالة المهمشين و جذورها العسكرية، وكيف توسعت على حساب فئات في المجتمع. كما تستدعي العودة اعترافًا بأن تاريخ التنمية حدد مسار الحاضر. السودان الذي فقدناه هو السودان الوحيد الذي عرفناه. والرغبة في استعادة السودان هي مقاومة للتغيير واستسلامٌ للصمود.إننا مدينون للأجيال القادمة بأن نتجاوز هذه الرغبات، وأن نقبل بأن المستقبل مجهول، وقد لا يحمل في طياته صورة السودان كما عرفناه.

عند دراسة الماضي وتوثيقه، علينا أن ندرك أن التاريخ ليس فخًا بلا مهرب، ولا تاريخًا مجبولون على تكراره. نحن مدينون للأجيال القادمة بأن نبحث لهم عن سُبُل تمنحهم القوة دون أن نقيّدهم أو نُثْقِلهم بإرث الصمود والمقاومة والعودة. المشروع المصاحب لهذا النص هو مشروع للمستقبل؛ فهو يوثّق مباني في عَطْبَرة، ويقترح تدخلات بنيوية لِغَدٍ مختلف. غدٌ يُحفظ فيه التاريخ في المتاحف والأرشيفات؛ مساحات تتيح لنا أن نتعلم من الماضي، وأن نتحرر من أثقاله.

ترجمة: ديما الغنيم

[1] لمزيد من المعلومات حول تهجير النوبيين، شاهد/ي محاضرة كل من هاشم خليفة وويليام كاروثرز المنشورة في التراث النقدي، مناهج تربوية عاجلة"، العدد 11، من تحرير سهى حسن، نوفمبر 2024. http://urgentpedagogies.iaspis.se/critical-heritage/

[2] مقابلة هاتفية مع طارق جويلي، 30 يوليو 2026.

[3] أحمد العوض سكينجا، "مدينة الحديد والنار" (نيويورك: دار بنغوين، 1993)

[4] للمزيد عن تطوّر مدينة عطبرة، راجع أحمد العوض سكينجا، "مدينة الحديد والنار": التاريخ الاجتماعي لعطبرة، مدينة السكك الحديدية السودانية، 1906-1984(بورتسموث، ن.هـ.: هاينمان، 2002). وللاطلاع على تاريخ السكك الحديدية، راجع ريتشارد ليزلي هِل، "المواصلات في السودان": تاريخ خدمات السكك الحديدية والملاحة البحرية والنهرية في جمهورية السودان (لندن: مطبعة جامعة أوكسفورد، 1965).

[5] غاريث كيرلس، "السودان "ليس مستعدًا بعد لقيام نقابات عمالية": إضرابات عمال سكة الحديد بين عامي ١٩٤٧ ١٩٤٨"، مجلة التاريخ الإمبراطوري والكومونولث، المجلد ٤١ العدد ٥(٢٠١٣): الصفحات ٨٠٤-٨٢٢.

[6] سهى حسن، لحظات عمرانية من تاريخ بناء الدولة الحديثة في السودان: أطلال الأجنحة وأجنحة الأطلال، في كتاب العمارة العربية الحديثة ومشروع الاستقلال، من تحرير نادي أبو سعدة ووسام العسلي، (٢٠٢٥).

blue train

حقوق الصور:  أحمد عثمان حبيب

piece in a dark room

حقوق الصور:  أحمد عثمان حبيب